English  
إغلاق الإعلان

كتب إسلامية المعرفة (38,813 كتاب)

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

إسلامية المعرفة (معلومة)

كان لتعثر جهود الإصلاح أثره الكبير على الفاروقي وأترابه من الدارسين المسلمين في الغرب الذين استطاعوا بحكم إقامتهم في الغرب أن يدركوا حالة التراجع الإسلامي من جهة ومدى التناقض بين التصورات الغربية الوضعية عن المعرفة وبين مثيلاتها الإسلامية من جهة ثانية. وحسب هؤلاء فإن أيا من المصلحين السابقين لم يستطع أن يقف على هذا التناقض "إن جيلنا هو الذي اكتشف هذا التناقض عندما عاشه في حياته الفكرية، على أن العذاب النفسي الذي ولدّه هذا التناقض فينا جعلنا نستيقظ مرعوبين ومُدركين تماما ما تتعرض له الروح الإسلامية من انتهاك في جامعات العالم الإسلامي. ولهذا فنحن نُنبه العالم الإسلامي إلى هذا الشر، ونسعى ولأول مرة في التاريخ إلى تطوير خطة توقف سريانه وانتشاره، وتتصدى لنتائجه، وتُعيد التعليم الإسلامي إلى نهجه القويم" كانت تلك هي الأجواء التي تم خلالها إنشاء "المعهد العالمي للفكر الإسلامي" بواشنطن عام 1981م الذي ترأسه الدكتور الفاروقي منذ إنشائه وحتى وفاته عام (1986م)، وذهب مؤسسو المعهد إلى أن الأزمة التي تُعاني منها الأمة هي أزمة فكرية، وأن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما هي إلا تجليات لهذه الأزمة الأم. وقد قدم هؤلاء رؤية يمكن وصفها بالمتفردة حيث وقفت موقف النقد من المعرفة الغربية للمرة الأولى –عربيا على الأقل - كما أنها تبنت إستراتيجية أو خطة مقترحة للعمل عرفت باسم (إسلامية المعرفة) وهكذا اجتمع في هذه الرؤية النقد والتقويض جنبا إلى جنب مع البناء والتأسيس.

يُعد الفاروقي من أوائل من اشتغلوا على تمحيص الأسس الفلسفية التي تأسست عليها المعرفة الغربية ومقارنتها بالأسس الإسلامية، وخلص من خلال المقارنة إلى أن هناك اختلافات لا مجال لإنكارها تجعل من التسليم الإسلامي المطلق للمعرفة الغربية أمرا مُتعذراً، وهذه الاختلافات هي: الاعتقاد بأن الغيب لا يُمكن أن يكون مصدراً للمعرفة، وأن العلم هو ما يتعلق فقط بالحقائق الموضوعية التي ترصدها الحواس، وأنه يخلو من أي موجهات أخلاقية أو قيمية، وأن غايته القصوى إشباع الحاجات المادية لبني البشر وتحقيق سعادتهم دون أن يُعنى بالارتقاء بهم.

على النقيض من هذا تقف المعرفة الإسلامية التي تتأسس –حسب الفاروقي- على مبدأ "وحدة الحقيقة" الذي يعني أن الله سبحانه وتعالى هو مصدر المعرفة، وأن وحيه الإلهي قد تضمن إلى جوار صفاته عز وجل (الحقيقة المطلقة العليا) بعض الإشارات الكونية (الحقائق الموضوعية)، وأنه ليس ثمة تعارض بين الوحي من جانب وبين العقل والعلم من جانب آخر؛ فالعقل هبة من الله للإنسان وتقع على عاتقه مهمة مزدوجة هي استيعاب الوحي واكتشاف الأسباب والسنن الكونية. ويذهب الفاروقي إلى أن هناك ما يحول بين العلم الإسلامي وبين الانزلاق إلى ما انزلق إليه العلم الغربي من إنكار لوجود الإله ومن نهب للطبيعة وإعلان للسيطرة عليها؛ ذلك أنه يعمل في إطار من القيم والأخلاق المستمدة من الوحي مصدر العلم والمعرفة؛ ونظراً لأخلاقيته فهو يرتبط بالجماعة والأمة إذ الأخلاق هي مجموعة ضوابط تنظم علاقة الفرد بالمجموع العام، ولا يمكن أن يكون مجال تطبيقها الدائرة الفردية وحسب.

من ناحية أخرى أولت خطة إسلامية المعرفة –التي حدد ملامحها الدكتور الفاروقي -اهتماما ملحوظا بالتعليم الأوليّ حين دعت إلى إعادة تأسيس النظام التعليمي الراهن على نحو يكفل القضاء على الازدواجية التي تقسمه إلى نظامين أحدهما إسلامي والآخر علماني واعتماد نظام موحد يحل محلهما يضُم العلوم الحديثة إلى جانب مبادئ العلوم الشرعية، فالإسلام يمقت تقسيم الناس إلى طبقتين طبقة عامة الناس وطبقة العلماء الشرعيين؛ فالناس سواسية في اكتساب المعرفة الحديثة وفي التعرف على مبادئ دينهم. ويتميز هذا النظام الجديد بأنه يجعل من دراسة الحضارة أمرا إلزاميا في كافة المراحل التعليمية لأنها وحدها الكفيلة بغرس روح الانتماء في نفس الدارس وتعريفه بتاريخه وجوهر حضارة أمته على نحو يجعله في منأى عن التأثر السلبي بالأفكار الوافدة.

كذلك طرحت إسلامية المعرفة تصورا للعملية المعرفية مفترضة أن إنتاج معرفة إسلامية يقتضي أمرين: الأول، الاطلاع الواسع على المنتج المعرفي الغربي، ومنهجيات البحث العلمي، والانتقادات الموجهة إلى المعرفة الغربية من جانب المفكرين الغربيين وهذا الاطلاع العميق يعني لدى الفاروقي وقوفا من الباحث المسلم على آخر التطورات العلمية، ومعرفة ما الإضافات التي يمكن تقديمها إليها. والثاني، أن يكون الباحث متمكنا من التراث، ومن هنا نبتت فكرة الدعوة إلى تيسير التراث وقد اقترح الفاروقي إجراءات عملية في سبيل تيسيره من قبيل القيام بتبويبه وتصنيفه وفقا لتقسيمات العلوم الاجتماعية وأقسامها، والتعريف بمصطلحاته بلغة يسيرة ومفهومة، ونشر بعض الكتب التراثية الهامة مع تقديم شروح لها. ويبين الفاروقي أن الغاية من وراء الاهتمام بالتراث أن يصبح بمقدور الباحث المسلم أن يجيب على أسئلة ثلاث: ما هي مساهمة التراث الإسلامي في القضايا التي تثيرها العلوم الاجتماعية والإنسانية، وأين يتفق ويختلف معها، وكيف يمكن أن يُسهم في تصحيح وتقويم مسار المعرفة الإنسانية والاجتماعية المعاصرة.

إن الإحاطة بهذه التساؤلات وتقديم الإجابات عليها لن يتحقق إلا إذا سبقها فهم واستيعاب كامل لطبيعة هذا التراث وتقدير لجوانب القوة والضعف فيه، وتلك نقطة يشدد عليها الدكتور الفاروقي حين يذهب إلى القول بأن التراث ليس نسخة من الوحي لكنه يشتمل عليه كنقطة انطلاق تأسست عليها مجمل الثقافة والمعارف الإسلامية، وإذا كان الوحي غير قابل للنقد فليس كذلك فهم المسلمين له ولا مجمل المعرفة الإنسانية الناتجة عنه، ومن هنا ينبغي إعمال النقد بحق التراث؛ فإذا وجد أنه غير ملائم أو جانبه الصواب فينبغي أن تتوجه الجهود لتصحيحه أما إذا كان ملائما لاحتياجات الواقع فلنعمل على الاستفادة منه وصقله وبلورته والإضافة إليه.

المصدر: wikipedia.org
إغلاق الإعلان
إغلاق الإعلان