التحميل مجاناً لكن نقدم بعض الخدمات المدفوعة ادعمنا بالإشتراك فيها
حذف الإعلانات وتسريع تصفح المكتبة.
يبدأ التحميل بضغطة زر دون انتظار تجهيز الكتاب.
لا حدود لمرات التحميل.
يمكنك رفع كتب بلا حدود بالمكتبة.
تمكين القراء من تحميل كتبك دون إنتظار.
حذف الاعلانات على الكتب التي تنشرها.
لا مشاكل في روابط التحميل لكتبك المرفوعة.
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
| مؤلف: | علي أسعد وطفة |
| قسم: | تطوير التعليم [تعديل] |
| اللغة: | العربية |
| الناشر: | ج |
| ترتيب الشهرة: | 300,317 رقم 1 هو الأشهر ! |
| رابط مختصر: | نسخ |
| المزيد من الكتب مثل هذا الكتاب | |
الناشر والمؤلف
كتاب التربية والتنمية المستدامة : تحديات الوجود والمصير .
أ.د. علي أسعد وطفة سوري الجنسية أستاذ علم الاجتماع التربوي في جامعة الكويت- رئيس تحرير مجلة نقد وتنوير . له عدد من الإصدارات العلمية والبحثية .
التربية والتنمية المستدامة : تحديات الوجود والمصير
"الطبيعة هي ما منحتنا إيّاه الآلهة، والسير بمقتضى شروط الطبيعة هو السير على صراط الواجب، وإدارة هذا الصراط وتنظيمه هو القصد من التربية والتعليم".
كونفوشيوس
تواجه الإنسانية اليوم وضعية حرجة تتمثل في التصادم المصيري بين الحضارة المادية بوصفها تدميرا للطبيعة، وبين المصادر الحيوية لهذه الطبيعة بوصفها عملية بناء للحياة. فالحضارة المادية تطلق وحشها الصناعي اليوم تدميرا في البيئة وتعسفاً في إفناء المصادر الحيوية للوجود، محولا تلك المصادر إلى جماد فيزيائي مشعّ بكل أشكال التلوث والتدمير القاتل للحياة، وفي الحين الذي تحاول فيه الطبيعة الحيّة أن تلتقط أنفاسها في محاولة يائسة لإعادة التوازن الحيوي وترسيخ قيم الحياة في المجال الفيزيائي للوجود. وفي خضم هذا التصادم بين إرادتي الحياة والموت، بين التوحّش الصناعي المدمر للطبيعة، وبين الطبيعة الصانعة للحياة تبرز قضية المصير الإنساني المعاصر وإشكالياته الوجودية.
وفي حمأة هذا التناقض المصيري ما بين الطبيعة التي تحول الفيزياء إلى حياة، والصناعة الرأسمالية التي تحول الحياة إلى موت وممات، يجد الإنسان المعاصر نفسه بين قطبي هذا الصراع ضمن دورة وجودية لا يستطيع إيقافها أو الخروج من مطاحنها المخيفة. لقد دأب الإنسان منذ بداية التاريخ على محاربة الطبيعة، والسّعي إلى التغلّب عليها بوصفها عدوا، واستطاع في النهاية أن ينتصر كليا في حربه العبثية ضد عناصر وجوده. ولم يكن يعلم أن أي انتصار كان يحققه على الطبيعة، هو في حقيقته نوع من التدمير المخيف لعناصر وجوده وحياته. وقد وصل الإنسان إلى النقطة التي ربما لا يستطيع فيها إعادة التوازن الخلاق بينه وبين الطبيعة التي تنطوي على مصادر حياته ووجوده. والإنسان المعاصر يقف عاجزا إلى حدّ بعيد عن الخروج من دوامة التدمير الصناعي المخيف المخرّب للبيئة، بل عاجزا حتّى عن تخفيض تسارع هذا الخراب الهائل، بسبب انسحاقه التّام أمام جاذبيّة الحضارة التي يعيش في أحضانها. وهكذا فقد الإنسان قدرته على المحافظة على البيئة، ولم يعد باستطاعته أن يعيد لها بعضا من جمالها ونقائها الحيوي. وفي هذا كله يتجسّد المأزق الوجودي للإنسانية المعاصرة، وهو المأزق الذي أصبح فيه الإنسان عاجزا كليا عن مواجهة المصير، وأصبح كالريشة الحمقاء معلقا في إعصار، هاويا في دوامة وجودية.
وفي عمق هذا المأزق الوجودي ما زال هناك ضوء يومض في نهاية النفق، وما زال بعض الأمل يتوهج ويتدفق، وهو الأمل الذي يستمد قبس وجوده من إرادة البشر ووعيهم بالمصير وقدرتهم على إدارة الصراع بين إرادة الحياة ونوازع الموت الحضاري؛ أي: بين الموارد الحية للوجود والنواتج المميتة للحضارة المادية.
تُبيّن كل القراءات الجادة في التاريخ أن مصير الإنسانية يرتبط بقدرة سكان الأرض على إدارة تفاعلهم مع الوجود بصيغتيه الفيزيائية والحيوية تفاعلا واعيا متوازنا وخلاقا، وهذا يقتضي وعيا حقيقيّا عميقا بجوهر العلاقة المصيريّة بين الإنسان وشروط وجوده. وتُظهر كل المؤشرات السوسيولوجية والعلمية أن الإنسانية تتجه إلى مصير الفناء نتيجة للتفاعل السلبي مع البيئة والوجود.
وإزاء هذه التّوقّعات المخيفة للمصير والوجود ما زال العلماء والمفكرون والباحثون في مختلف مجالات المعرفة يحذرون بصرخات مدوية من مخاطر التفاعل السلبي مع الوجود الطبيعي الحاضن للحياة على سطح الكوكب. وعلى الرغم من هذه النداءات المتواصلة والصرخات المتعالية للعلم والعلماء فإن الكوكب يتآكل تحت الضربات الموجعة للإنسان، وذلك إلى الحد الذي أصبحت فيه الحياة مهددة على سطح الكوكب تحت تأثير التفاعل السلبي الجائر للإنسان مع بيئته ومحيطه.
فالغلاف الجوي للأرض يتآكل دون توقف، والأنهار الثلجية تذوب، والجبال الجليدية تتساقط، والاحتباس الحراري يندفع بقوة ليجعل من الحياة على الأرض جحيما لا يطاق، والتلوث يدمر الأرض والحياة دون هوادة.
وفي مواجهة هذه المخاطر عقدت عشرات المؤتمرات الدولية، وتأسست مئات المنتديات العالمية، وأنشئت آلاف المراكز البحثية في مجال التربية والتنمية، وأبرمت عشرات الاتفاقيات الدولية والإقليمية منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين حتى اليوم. ومع أهمية هذه الجهود والفعاليات الكبيرة فإنها لم تستطع بتاتا أن توقف هذا الزحف الجامح للتلوث والتدمير الإنساني للبيئة والوجود.
وفي كل مؤتمر أو قمة عالمية توقَّع الاتفاقيات والمعاهدات، وتنطلق البيانات والتحذيرات، وتقف دول العالم مجتمعة للعمل على وقف التدهور وتُعرب عن أنبل النّوايا وأجمل الأمنيّات وفي المؤتمر الذي يليه أو القمة التي تعقبه تُبيّن الوقائع والدراسات أن التدهور في ازدياد، وأن دورة الموت والفناء ماضية بحتميّة لا رادّ لها. وكأن الإنسان قد دخل في دورة السقوط أو في الثقب الأسود للفناء وربما لا يستطيع الخروج من الدورة السوداء التي تأخذ الحياة في الأرض إلى مهب الجحيم.
ومما لا شك فيه أن جشع الإنسان في الوصول إلى أعلى درجة من السيطرة على الموارد واستنزافها على صورة أرباح اقتصادية يشكل أحد أهم العوامل المؤدية إلى التدهور، وأن الدول الصناعية الكبرى تتحمل النصيب الأكبر من التدهور البيئي الناجم عن المصانع الجبارة التي تنفث السموم والتلوث في غلاف الكوكب، وأن الإنسانية تدفع ضريبة التضحية بالحياة البشرية نفسها كنتيجة طبيعية لما يسمى بالتنمية العرجاء القائمة على تدمير البيئة واستنزاف الموارد.
وقد انتفض العلماء والمفكرون بحثا عن أفضل الحلول والوسائل لوقف التدهور وحماية البيئة والحياة على سطح الكوكب. وتبين لهم جميعا أن بناء وعي إنساني مصيري بأهمية المحافظة على البيئة وبضرورة وقف الزّحف المضادّ للحياة ومواردها هو المتراس الحقيقيّ والحصن الأخير لحماية العيش والانتقال إلى حياة خضراء وتنمية عادلة تحقق أعلى درجات التفاعل التنموي الواعي بين الإنسان والبيئة. وبرهنت التطورات المستجدّة في حياة البشر أن الوعي الإنساني يشكل الطاقة الحيوية لتمكين الإنسان من التفاعل مع بيئته الإنسانية والطبيعية بصورة متوازنة خلاقة. فكل ما يجري في الكون رهين بفهم الإنسان لما هو ذاهب إليه ولما هو فاعله، ومرتبط بإدراكه لمخاطر الوجود والمصير. وهذا يعني أنّ ما يمكن تسميته الوعي الإنساني التنموي أصبح ضرورة حتمية.
ومن الطّبيعيّ أن يتّضح في غمرة التفاؤل باستحضار الوعي التنموي بالبيئة والحياة أنّ التربية تشكل أحد أهم عوامل بناء الوعي بأهمية التنمية المستدامة للحياة الإنسانية. وتلك هي الحقيقة الناصعة التي أكدتها عشرات المؤتمرات والمنتديات العالمية؛ فالتربية هي الحصن المنيع للتنمية الهادفة الخلاقة. وكل المعاهدات الدولية والمؤتمرات العالمية لن تستطيع بمفردها أن توقف التدهور الكبير في ظروف الحياة الإنسانية والبيئية من غير تربية فاعلة تستطيع أن تجعل من الوعي التنموي قوة قادرة قاهرة فاعلة في توجيه الحياة الإنسانية نحو مسارات البناء والتعمير، وفي اتجاه التفاعل الحر البناء مع البيئة والوسط الذي يحتضن الحياة برمتها على سطح الكوكب.
وأدركت البلدان المتقدمة أهمية العامل التربوي في توليد العلاقة الخلاقة بين الإنسان والتنمية المتوازنة، وانطلقت في عملية البناء التربوي لهذه العلاقة، فأعادت النّظرَ إلى فعاليّة النّظام التّربويّ على أساس الاهتمام ببناء وعي عميق وشامل يلائم بين الاستجابة للحاجيّات التّنمويّة المتزايدة والمحافظة على الوجود والموارد والبيئة، ويحقّق التّوازن بين علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقته بالمحيط الطّبيعيّ.
واتّخذ هذا الوعي التّربويّ التّنمويّ الخلاّق مسارات عديدة تعنى بالتربية البيئية والتربية من أجل الحق والخير والسلام وحقوق الإنسان، فتشكلت منظومات كثيرة من المناهج المدرسية والتربوية التي تتولى إعداد الطالب تنمويا في مسار المحافظة على الحياة الإنسانية، بما ينطوي عليه ذلك من توجهات تنظيم العلاقة الإيجابية ما بين الفرد والبيئيتين الاجتماعية والطبيعية.
وعلى خلاف التطور الكبير الّذي تشهده البلدان المتقدّمة في مجال التربية على البيئة والتنمية، فإن هذا النمط من التربية ما يزال في مراحله الأولى في غيرها من الدول، إن لم يكن منسيا أو مُهمَلا على نحو كلي. فالمناهج المدرسيّة في البلاد المتخلّفة (أو في البلاد غير المتقدّمة) تشكو نقصا كبيرا في مجال التّربية البيئيّة وفي مجال التّربية على التّنمية الشّاملة، عموما. وإذا كان هناك حضور لهذا النمط من التربية فإنه غالبا ما يكون عرضيّا لا يمتلك أي توازن منهجي ولا يحمل في ذاته أي عمق استراتيجي أو تكاملي، وإذا كانت هناك مقررات فهي في الغالب تأتي ضمن نسيج هامشي اعتباطي لا يستقيم وفق خطط تربوية منهجية متكاملة، وهي غالبا ما تكون فاقدة لمشروعيتها التربوية الفعالة في هذا الميدان.
والمتأمّل في المسارات المنهجية للتربية على التنمية، ولاسيما في مجال الجانب الاجتماعي الحقوقي، يجد أن الأنظمة التربوية في بعض الدول لا تزال تتهيب وضع منهجيات تربوية تتعلق بحقوق الإنسان وقيم التسامح والسلام؛ لأن مثل هذه المنهجيات قد تتعارض مع توجّهات الأنظمة السّياسيّة القائمة فيها وقد تتصادم مع دعاوى الخصوصيّات. ويترتب على ذلك أن التربية على التنمية لا تزال خارج السياق الأكاديمي المدرسي والجامعي.
وأطلعتنا تجربتنا التّربويّة الممتدّة على أربعة عقود في التّعليم العالي أنّ المقرّرات الخاصّة بالتّنمية المستدامة والتّربية البيئيّة والتّربية على حقوق الإنسان غائبة بشكل ممنهج ومنظّم، ويبنى على ذلك تغييب الثقافة الإنسانية برمتها لأن المضامين التربوية لهذه المقررات تجسد الثقافة الحقيقية للإنسان، وذلك بوصفها منظومة العلاقات القائمة بين الإنسان والإنسان من جهة وبين الإنسان والطّبيعة من جهة ثانية.
ولاحظنا من خلال تجربتنا التربوية في عدة جامعات عربية هذا الغياب المخيف لثقافة التنمية والتربية على التنمية، ولاسيما في كليات التربية التي يجب أن تكون معنية مصيريا بإنتاج هذا النمط من التّفكير التّنمويّ الذي يفرض نفسه بقوة هائلة كثقافة ومعرفة وفلسفة في مختلف المؤسسات التعليمية في العالم.
ونحن إذ ندرك البعد السياسي لهذا التغييب في مجال حقوق الإنسان، فإننا لا نزال على يقين بأن التخلف في مجال التربية على التنمية والتنمية المستدامة يمثل حالة من حالات التخلف الحضاري الكبير الذي تنتجه جامعاتنا ومؤسساتنا التربوية والتعليمية.
ويتأسس على هذا الغياب الشامل لمفاهيم التنمية والتربية على التنمية المستدامة - في المستويات السّياسيّة والاجتماعيّة والأكاديميّة - تخلف كبير في الوعي التنموي المعاصر. وقد يشمل هذا التخلف الثقافي أفراد المجتمع برمته ولا يستثني طلبة الجامعات وأساتذتها والعاملين فيها. وبإمكان من يتابع الوضع الثّقافيّ للجامعات العربيّة أن يلاحظ بوضوح الفقر المدقع في ثقافة التّنمية والتّربية على التّنمية المستدامة، في حين أنّهما تشكّلان قضيّة العصر الكبرى ويرتبط بهما تحديد مصير الحياة الإنسانيّة على الأرض.
ويمثّل غياب الوعي بقضايا التّنمية ومشكلاتها كارثة تربويّة وإنسانيّة على حدّ سواء. وليس أخطرُ من افتقار الثّقافة والمعرفة لهذا المجال الحيويّ، لأنّ الوعي التّنمويّ متأكّد اليوم، وقد صار ضرورة تاريخيّة لتحقيق التّوازن بين الإنسان والوسط الحيويّ لوجوده.
وأظهرت متابعتنا لقضايا التنمية والتربية على التنمية أيضا غياب الفكر الاستراتيجي في هذا المجال. فما كتب عنهما، وما كتب تحديدا عن التّربية على التّنمية هو نادر جدّا، إن لم يكن غائبا كليّا. وهو إن وجد فإنه يأخذ طابعا يتميز بالسطحية الأيديولوجية، فأغلب المقاربات التنموية في الكتب والدراسات لا تعدو أن تكون خطبا أيديولوجية قلما تغوص في أعماق التطورات الفكرية الحقيقية لهذا الميدان الذي يشهد تطورا كبيرا نوعيا وكميا.
وتأتي النتيجة الطبيعية لهذا الغياب المعرفي في عدم القدرة على إيقاف هذا التكاثف المخيف المريب لكل أشكال التلوث البيئي والثقافي الذي يهدد الحياة الإنسانية، كما يتجلى ذلك الأمر فيما تشهده البلدان العربية من انخفاض منسوب الوعي بحقوق الإنسان وانتشار التعصب بكل أشكاله في مختلف مظاهر الحياة.، ويزخر المشهدان السّياسيّ والثّقافيّ في البلدان العربيّة بدلائل على اشتداد التعصب والعنصريّة في مقابل غياب الفكر المتعلّق بحقوق الإنسان وحريّاته وهذا ينجم في أغلب تجلياته عن تغييب الثقافة التنموية التي تعنى بالجانب الإنساني قبل العناية بالجانب البيئي المتعلق بالطبيعة ومواردها.
ويمكن القول إنّنا اليوم أحوج ما نكون إلى الاهتمام بهذا المجال الحيوي للحياة الثقافية والفكرية في عالمنا العربي، وإلى ثقافة تربوية تنموية حقيقية تؤسس لجيل واع تربويا بأهمية التربية وضرورتها التاريخية في عالمنا العربي المعاصر.
لقد أصبحت التنمية والتربية على التنمية المستدامة فلسفة حياة ووجود، وهي تمتد اليوم لتشمل مختلف مناحي التفكير والبحث والتأمل في قضايا الحياة والوجود والمصير. وهذا يعني أن غياب مثل هذه الفلسفة الوجودية (المتعلقة بالوجود) يشكل تهديدا حقيقيا للثقافة والمعرفة الإنسانية. ومن هذا المنطلق، وتأسيسا على إيماننا العميق بأهمية الوعي التربوي التنموي وضرورته التاريخية في النهوض الحضاري لمجتمعاتنا العربية ومؤسساتنا الأكاديمية، يأتي هذا الكتاب مساهمة متواضعة في الكشف عن أصول التربية على التنمية وتتبّع مناحيها وتحليل معطياتها في ضوء رؤية فلسفية ومنهجية متكاملة. ونأمل أن يشكل إضاءة معرفية متقدمة على وجوه هذا النمط المعرفي الجديد الذي يفرض نفسه كضرورة تاريخية في زمن ازدهار التنمية المستدامة تطويرا للوجود وتعزيزا للإنسان وهو يواجه تحدّيات المصير، ولاسيما إذا سلّمنا أنّ الوعي الإنساني أصبح معنيا بالمواجهة الحضارية لقضايا المصير البيئي والاجتماعي على حدّ سواء.
ولعلّه من المفيد في هذا السّياق أن نشير إلى أنّ اهتمامنا بقضايا التربية والبيئة والتنمية لم يكن وليد الصدفة أو الترف الفكري العابر، بل يعود إلى عهد قديم يضرب بجذوره المعرفية في الماضي البعيد نسبيا. إذ قُيّض لنا أن نشارك في عضوية الوفد السوري إلى مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية الذي عقد في كوبنهاغن في الفترة الواقعة ما بين 6 و 12 مارس/آذار 1995، وترك هذا المؤتمر الكبير - الذي شكل مخاضا معرفيا دوليا تناولت فيه الدول المشاركة مختلف قضايا التنمية وإشكالياتها المتأزمة- تأثيرا معرفيا وأكاديميا كبيرا تجلّى في صورة اهتمام علمي ومعرفي دائم بالبيئة والتنمية وقضاياهما المصيرية. ولا نكتم أنّ ذلك المؤتمر أثار في النّفس كثيرا من الهواجس والمخاوف الوجوديّة بشأن المصير الإنسانيّ والتحديات العظمى التي تواجه الإنسان وحياته على كوكب الأرض. ومنذ ذلك الوقت ما زالت قضية التنمية وإشكالياتها مركزا لاهتمامنا بحثا ونشرا واطلاعا. وقد تطور هذا الاهتمام ليواكب العلاقة بين التربية والتنمية في أكثر مظاهر التفاعل تعقيدا وشمولا.
وعندما عدت من ذاك المؤتمر تأملت في واقعنا الأكاديمي، فلم أجد حينها أي اهتمام يذكر من قبل الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والتربوية بهذا الميدان الخطير، وهذا الغياب هو شأن الدوريات والمجلات العلمية التي خلت محتوياتها من تناول هذه القضايا التنموية المهمة. وهذا يشكل تحديا كبيرا يواجه العمل الفكري والثقافة التربوية في مستوى الوعي بأبعاد هذه القضية وملابساتها. وحين اطّلعت بعمق على المناهج التربويّة في كليّات التربية لم أجد فيها أيّ مقرّر يدرس حول التنمية أو علاقتها بالتربية. ويحمل هذا مؤشّرا قويّا على التحدّي الكبير الذي يواجه العمل الفكري والثقافة التربوية في مستوى الوعي بالقضية بأبعادها وجوانبها المختلفة. وهذا الغياب بل التغييب الخطير لهذا النمط المعرفي في مجال التنمية والتربية دفعني إلى المزيد من القراءة والاطلاع في هذا المجال الحيوي الذي يبحث في المصير الإنساني وفي دور التربية على التنمية في مواجهة المصير.
وتبيّن لي بما أمكنني النّظر فيه من بحوث تنتمي إلى مدى زمنيّ طويل أن مسألة التربية والتنمية والعلاقة بينهما بدأت تأخذ طابعا معرفيا وأمميا متصاعدا في أهميته وخطورته، وأن هذا المجال العلمي الغائب في مناهجنا يتميز بالصعوبة والتعقيد. وهذا التعقيد يصبح أكثر حدّة عندما يتم تناول هذه القضية من زاوية تربوية. فالتداخل بين التربية والتنمية أصبح مصيرا معرفيا حتميّا في هذا العصر، وكيف لا يكون ذلك ومصير الإنسانية برمته يرتبط بمدى وعي الإنسان وقدرته على ضبط إيقاع العلاقة الحيوية بينه وبين معطيات الحياة والوجود والمصير؟
. والحقيقة الجوهريّة الّتي لا يمكن لأحد تجاهلها وتجاوزها، والّتي ينبغي التّذكير بها والتّشديد عليها، هي أنّ مسألة الوعي بالبيئة هي وعي بالوجود والمصير. وهو أمر تؤكّده البحوث والدّراسات والمؤتمرات والنّدوات العالميّة ومثل هذه الدراسات الجارية تؤكد على نحو قطعي أن الأنظمة التربوية لم تعد قادرة على مواكبة التحديات المصيرية للتنمية إلا بالتحول من التركيز على المعرفة إلى التركيز على الفعل. فالتربية على التنمية المستدامة لم تعد صورة من صور الوعي الجامد بل هي ممارسة فكرية وثقافية حيّة في الواقع الميداني للحياة والوجود. وهذا يعني أنّه على الأنظمة التربوية أن تستنفر طاقاتها وقواها لتشكيل نوع من الوعي الحي الكبير بالتحديات التنموية، ثم يتحوّل هذا الوعي إلى ممارسة فعلية ويومية. وهذا ما يمكن أن نطلق عليه الوعي الوجودي بالمصير، والوعي بأهمية التنمية المستدامة حضورا في الوجود وفلسفة في المصير.
وقد حقّق هذا المجال المعرفيّ الّذي يُعنَى بالعلاقة بين التّربية والتّنمية تطوّرا كبيرا مُبهرا في البلدان المتقدّمة وفي كثير من البلدان الآخذة بأسباب التقدّم والسّائرة في طريق النّموّ فالمناهج التربوية في ميدان التربية على التنمية والتنمية المستدامة سجلت تقدما واضحا، وكذلك هي الحال في الدراسات والبحوث والأدبيات التي تشهد تطورا غير مسبوق في هذا الميدان. يضاف إلى ذلك الاهتمام الكبير والمكثف للمجتمع الدولي من خلال فعاليات متنوعة في مجال تطوير العمل التربوي وتنمية منهجياته في مجال التربية على التنمية المستدامة. وإضافة إلى ذلك يشهد هذا العالم المتطور نموا كبيرا في مستوى الجمعيات والمؤسسات والنقابات والمراكز العلمية والثقافية المعنية بتطوير هذا الميدان والمناضلة (أو النّاشطة) في مجال الوعي التربوي بالتنمية وترسيخه في السلوك الإنساني. ومن يتأمل منهجيا في التطور الحاصل يجد أن الوعي البيئي والتنموي في كثير من هذه البلدان بلغ درجة كبيرة، وأن السلوك الاجتماعي يقوم على منطق تنموي يتمثل في المحافظة على البيئة وتحقيق التنمية المستدامة اقتصاديا واجتماعيا. وليس غريبا أن نرى ما حققه التعليم ما قبل المدرسي (رياض الأطفال) من ثورة تربوية في مجال ترسيخ الوعي والسلوك التنموي لدى الأطفال والناشئة.
وعلى خلاف هذه الصورة الزاهية للتقدم في مجال التربية التنموية في العالم المتقدم تظهر الصورة حالكة في مجتمعاتنا ومؤسساتنا التربوية التي تعاني في جوهرها من التخلف العام والقصور الواضح منهجيا ومعرفيا. ومثل هذا القصور يتجلى في أكثر صوره بؤسا وقتامة في مجال التنمية والتربية على التنمية التي تشهد غيابا وتغييبا لا نظير له. وهو يعزى بشكل أساسيّ إلى أسباب على صلة بالتّطوّر السّياسيّ والاجتماعيّ، وكذلك بالبنية الثّقافيّة في بلداننا ومجتمعاتنا العربيّة.. ونستطيع أن نقرّ بوجود غياب كبير لثقافة التربية على التنمية في مؤسساتنا التربوية، وإن حَضَرت هذه الثّقافة فحضورها باهت خارج أي سياق فلسفي وحضاري، كما أنه لا يعدو أن يكون حضورا أساسُه المعرفة العابرة التي تعتمد على الذاكرة كشأن مختلف العلوم والفنون في مؤسساتنا التربوية.
أمّا في المستوى الأكاديميّ فلا تزال كليّات التّربية في حاجة أكيدة إلى تطوير العمل الأكاديمي في ميدان التربية على التنمية والتنمية المستدامة. وهي معنية اليوم أكثر من ذي قبل بالتأكيد على الفعالية التربوية في هذا الميدان تأليفا ونشرا وممارسة وتوعية. وقد حان الأوان لتغطية هذا الغياب الكبير في مقررات التنمية والتربية والتنمية المستدامة. وعلينا العمل بكد وجد واهتمام على إعادة تشكيل العقل التربوي العربي أكاديميا ومعرفيا على نحو يستطيع فيه التجاوب مع قضايا التربية والتنمية من منطلق فلسفة وجودية في مواجهة تحديات المصير، في عالم يواجه أخطر تحديات التلوث والبيئة والحروب والفقر والفاقة والتدمير المنظم للموارد الطبيعية، وهل يمكن للإنسانية أن تواجه أخطر من هذه التحديات؟!
وهذا الكتاب الّذي نقدّمه حول هذه المسألة هو ثمرة جهود دؤوبة بذلناها طيلة أربعة عقود في هذا الميدان، وهو تعبير عن هواجس عميقة بالمصير الإنساني، وتلك الهواجس تشكل بواعث تحضّ على العمل والدّراسة والتّفكير في هذا الميدان الخصب الّذي يحتضن التّفاعل العميق بين الإنسان والوجود. وقد تكون هذه الهواجس حافزا لنا على طَرق هذا الموضوع بقدر كبير من المصداقية والنزوع إلى البحث المعمق..
وكان حرصنا كبيرا على أن نتناول هذه القضية تناولا منهجيا وفلسفيا يراعي الأبعاد الاجتماعيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة لقضايا التّنمية والتّربية يعبر عن طموحنا الكبير في تقديم رؤية جديدة موضوعية للعلاقة بينهما ولدور التّربية في التّنمية المستدامة. ومع أن هذا الموضوع يتّسم بالصعوبة والتعقيد، فقد سعينا إلى أن يكون تعاملُنا معه ناجعا يمكّننا من استيفاء جوانبه المختلفة على نحو متكامل، يبدأ بالمفاهيم مرورا بالقضايا الأساسية للتنمية والتربية وصولا إلى تناول مبسط لتعقيدات التفاعل العميق بين الإنسان والوجود الحيوي والمادي ضمن تصورات تنموية معاصرة في ارتباطها بسياقها وفي انفتاحها على الآفاق والإشكالات.
وقد قسّمنا هذا العمل إلى جوانب متكاملة تبدأ بعرض المفاهيم التنموية استحضارا تاريخيا متطوّرا، ثم بتناول قضية التنمية من جوانبها الاقتصادية والبيئية والاجتماعية ضمن صيرورة التكامل التربوي فيما بين هذه الجوانب الشائكة المعقدة. وأوضحنا في سياق ذلك العمق التربوي للقضايا المطروحة في إطاري الزمان والمكان.
وتضمن الجانب الأول المفاهيم التنموية بدءا من النمو الاقتصادي إلى التنمية الشاملة ثم إلى التنمية المستدامة، وأخذنا بعين الاعتبار مختلف المتغيرات التي تفاعلت في تطوير هذه المفاهيم التربوية المتنامية ضمن حركة التاريخ والاقتصاد والتطور الإنساني. وفي الجانب الثاني تناولنا القضايا البيئية بوصفها قضية مصير ووجود، وبحثنا في مداخل هذه القضية في مختلف جوانبها الحيوية والإنسانية. وفي الجانب الثالث تناولنا الجوانب الاقتصادية للتنمية والتنمية المستدامة. أما الجانب الرابع فخصص لمنظومة من القضايا التنموية الاجتماعية التي تتعلق بالتنمية والتنمية المستدامة. وفي كل مرحلة من هذه المراحل تمّ التأكيد على أهمية وشائج التفاعل بين هذه الجوانب المتنوعة للقضايا التنموية، ضمن رؤية تربوية شاملة تندرج في إطار تصوّر للتربية يعتبرها تحويل المعرفة إلى طاقة فعّالة.
ونحسب أنّ عملنا هذا سيكون ومضة معرفية تربوية في مجال العلاقة بين التربية والتنمية. ونرجو منه أن يبثّ في صفوف طلبتنا وقرّائنا وعيا جديدا بهذه القضايا الصّعبة في عصر يموج بالتحديات المصيريّة للتنمية والتربية على حدّ سواء.
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
الكتب الإلكترونية هي مكملة وداعمة للكتب الورقية ولا تلغيه أبداً بضغطة زر يصل الكتاب الإلكتروني لأي شخص بأي مكان بالعالم.
قد يضعف نظرك بسبب توهج الشاشة، أدعم ناشر الكتاب بشراءك لكتابه الورقي الأصلي إذا تمكنت من الوصول له والحصول عليه فلا تتردد بشراءه.
أنشر كتابك الآن مجانا
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل
الملكية الفكرية محفوظة للمؤلفين المذكورين على الكتب والمكتبة غير مسئولة عن افكار المؤلفين
يتم نشر الكتب القديمة والمنسية التي أصبحت في الماضي للحفاظ على التراث العربي والإسلامي
، والكتب التي يتم قبول نشرها من قبل مؤلفيها.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنِّي من صنعه".