التحميل مجاناً لكن نقدم بعض الخدمات المدفوعة ادعمنا بالإشتراك فيها
حذف الإعلانات وتسريع تصفح المكتبة.
يبدأ التحميل بضغطة زر دون انتظار تجهيز الكتاب.
لا حدود لمرات التحميل.
يمكنك رفع كتب بلا حدود بالمكتبة.
تمكين القراء من تحميل كتبك دون إنتظار.
حذف الاعلانات على الكتب التي تنشرها.
لا مشاكل في روابط التحميل لكتبك المرفوعة.
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
| مؤلف: | عاطف سليمان |
| قسم: | روايات إثارة ومغامرات مترجمة [تعديل] |
| اللغة: | العربية |
| الناشر: | دار أزمنة للنشر والتوزيع |
| تاريخ الإصدار: | 01 يناير 2007 |
| ترتيب الشهرة: | 465,546 رقم 1 هو الأشهر ! |
| رابط مختصر: | نسخ |
| المزيد من الكتب مثل هذا الكتاب | |
المؤلف كتاب استعراض البابلية والمؤلف لـ 7 كتب أخرى.
تعريف: عاطف سعد محمد أحمد سليمان (عاطف سليمان) كاتب مصري من مواليد أول يناير 1959 طبيب بشري معتزل صدر للكاتب: - صحراء على حدة ، قصص ، الناشر: ...
فعمتْكَ موجــاتٌ وموجــاتٌ من الانشراحِ والتجرُّدِ· وإذْ سِـيقَ المشهدُ مُعـَاداً، وأشرقتْ النظراتُ، وطوَّقكَ زمنُها والتفَّ عليكَ؛ تَملَّكَكَ الشعورُ بأنكَ واقِعٌ في سِـحرٍ، بل وبأن خلطةَ جسدكَ وعناصرَه تتغيَّر· كنتَ في مرْقَدِكَ، مُتعدياً ذاتَكَ التي داستْ الأرضَ في ذلك الصباح من ينـاير، وكان صوتٌ يُوَشوِّشُكَ: ــ الطفلُ الذي اِنطوى·· اسمُهُ عَاصي·· أحدُنا سيغفرُ لأن أحدَنا سيغفرُ· لا مدعاةَ للجزعِ، في الليل الذي في منتهى الليل· أحدُنا سيغفرُ· كنتَ، من قرارةِ كتابـِكَ، تتلو، والصوتُ صوتُكَ: ــ أنا هو ذاك·
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
القصة والحداثة
استعراضُ البابلية – عاطف سليمان
إدوار الخـرَّاط
في استعراضنا للعلامات الحداثية في قصصنا المعاصر لا يمكن أن نُخطئ «استعراضُ البابلية».
ومثلما كانت رواية حسني حسن «المسرنمون» قائمة أساساً، من بين مقوماتٍ أخرى، على التأمل الفكري وتقليب أوجه النظر في موضوعاتٍ هي أقرب إلى الرصد الفلسفي للأشياء وإنْ كان ذلك، باستمرار، على منحى روائي بالدرجة الأولى، فإن رواية عاطف سليمان «استعراضُ البابلية» (عن دار النهر للنشر والتوزيع، القاهرة، 1998) قائمة أساساً – في تقديري – على ما يمكن أن أسميه "التأمل الداخلي" أو "التأمل الروحي".
هذا النص الروائي يكسرُ وثنَ الحبكة الروائية، كما كسر الشعرُ الحداثي – تفعيلياً كان أو قصيداً نثرياً – وثنَ الشعر العروضي العمودي. ولكن نص «استعراضُ البابلية» لا ينفي الحبكة الروائية نفياً باتّاً، بل هو يُـثريها ويكثفها عن طريق تعقُّدها – بالمعنى الطيب – أي بتراكمها وتراكُبها، من ناحية، وباعتماد الدراما الداخلية، أي دراما التصُارع والتآلُف، التنافُر والتناغُم، بين الخلجات والهواجس وبوادر الروح، وإنْ كان لدراما الأحداث الخارجية دورها أيضاً، لكنه ليس الدورُ الذي يحتل صدارة المسرح النصّي.
هناك في هذه الرواية إذن "حبكات" حدثـيـّة متعددة – إنْ صحَّ هذا التعبير – لكنها تخرج عن نهج الحبكة التقليدية التي تعتمد الفَرْشَة ثم العُقدة ثم الحل أو "لحظة التنوير" كما كانت تُسمى، مدعوماً ذلك كله بالتعليل السافر والتحليل الواضح والتوازن بين عناصر العمل الروائي من سرْد إلى وصْف إلى حوار. هذا النص – شأن النصوص الحداثية التي أوشكت الآن أن تؤوب إلى "تقليدية حداثية" – ينتهك المواضعات التقليدية القديمة بأنْ يُراكِم الحبكاتِ ويُكاثرها. تأتي هذه الحبكاتُ إذن، أو هذه الحكايات، ليس باعتبارها تحت الضوء المركز الساطع الذي يعنى بإبراز أو تأكيد "هذا الحدث" بالذات أو "تلك الحكاية" بالتحديد وإنما تأتي عَرَضاً – فيما يبدو لأول وهلة – وإنْ كان ذلك في سياق بِنية روائية خاصة. هذه العُقد الروائية الصغيرة المتتالية تأتي كما لو كانت قد جاءت على سبيل الاستدعاء العفوي، في سياق النجوى، أو ذكريات الراوي (الذي يتخذ دائماً سَمْتَ الـمُخاطَب) كأنها بلا أهمية في سردية العمل، ولكن هناك "مَكر" التدفق الروائي الذي يقيم عمادَ النص.
ومن ثم فإنني أتصور أن «استعراض البابلية»، لأكثر من سبب، تظل علامةً من علامات الرواية الحداثية – أقولها بدون تردد – رغم أنها لم تلقَ حظاً من الاهتمام النقدي أو الرواج، لأن البيئة الثقافية عندنا، كما نعرف، ما زالت تشوبها أوشابٌ كثيرة.
الخصيصة الأساسية هنا هي تجريبية هذه الرواية.
من أمثلة تَعدُّد أو تَراكُب الحبكات الروائية الصغيرة المتتالية: «تُطْلِع (أميمةُ) نهلةَ على الجرح الصغير، في سريةٍ(كانت أميمة قد جرحت إصبعها بظفرها)، فحَوَّطتْهُ نهلةُ ولثمتْهُ بحنُّوٍ بالغٍ، بشبق» (ص26).
يصبح هذا "الحدث" الصغير: أنْ تجرح أميمة إصبعَها بظفرها، مثارَ عواطف أو مشاعر أو قضايا ليست بالصغيرة، منها أن أميمة تشكو الراوي بأنْ تجهر بالجرح الذي عادت به من مشوارها معه، ومنها أيضاً – بالتالي – أنَّ هذا الجرح قد «صِيغ بمِدية» الراوي، ومنها كذلك أن نهلة إذْ تضع قُبلتَها على جُرح أميمة إنما هي في نهاية التحليل – أو في بدايته – تضع قُبلتَها على مِدية الراوي التي صاغت هذا الجرح، ومنها أساساً أن «الغيرة تُمِضُّ» الراوي من هذه القُبلة على الجرح، كأن نهلة – وهي في بدء علاقة حُب ملتبسة مع الراوي – تناوئ الراوي وتناقِضه، وتستبقي «أزهى ما لديها» لحبيبٍ آخر مفترَض «ستعكف، حريصةً، على أنْ تُبقيه شاهدَها المحرومَ من أقاصيها» (ص27).
وهكذا يتعقّد "الحدثُ" الصغير الذي يبدو عارِضاً ويوشك أن يكون تافهاً، حتى يصبح بؤرةً كثيفة لهواجسٍ متضاربة ومتلاحقة، ومبعثَ توالُدِ احتمالاتٍ متسارعة الإيقاع.
ليس هذا إلا مثالاً لتلك «اللحظات الصغيرة تتواتر» (ص11) أو هي الحبكات الصغيرة تتواتر، وتتتابع معها وبها تأملاتٌ وخواطرٌ وإحساساتٌ ليست بالصغيرة.
من هذه العُقد أو الحبكات الصغيرة المتتالية، التي تأتي في سياق العمل كأنها بلا أهمية وهي التي تكوِّن مع ذلك نسيجَ هذا العمل: قُبلة نهلة ومريم، وهي القُبلة التي تكوِّن بؤرةَ العلاقة بين نهلة ومريم، وتدور حولها، ومن جرّائها، مشكلاتُ التماهي بينهما، والعقاب الذي تُوقِعه نهلةُ بمريم بأنْ تلد لها طفلاً (أو أن مريم هي التي تلد الطفل إذْ هي تتوحَّد بنهلة). منها حكايات الرحيل وخلف المواعيد، والعُقم والعُذرية كلاهما ملتبس وغير محدد، والحمل كاذباً وحقيقياً، والتدخل الجراحي لإعادة عُذرية قائمة فعلاً وغير مفقودة، والعُري في غُرفة علوية بين زوجين ومضاجعتهما أمام نهلة، ولجوء النازحين من مدن القناة في أثناء حرب الاستنزاف، وعلاقة صاحب الدار بامرأة من النازحات (هل هي أم نهلة؟) وخِطبة رجل مريض لنهلة سوف تنتهي بالفشل والنكوص، وحرْق نهلة ليديها بحمْل طاجن ساخن (هل هو عقاب نهلة لنفسها؟ بأنْ تمحو من يديها "واقعة" أو حدثاً له أكبر الأثر في حياتها؟) ومنها ميلاد ذلك الطفل الذي به «تُوُفـِي (نهلةُ) عقابَها لـمريم ولنفسها بالتالي، دونما وعيٍّ ودونما حقدٍ، انطلاقاً من تشارُكهما في ذلك السر الـمنسوب إلى حجرةٍ عُلويةٍ ذاوية» (ص 67)، فهل السر هو قُبلة مريم لنهلة على فمها أو هو مضاجعة الزوجين العاريين أمامهما؟
من مَكر النص- وهو دائماً مكرٌ حميد – أن موتيفة "القُبلة" تتكرر وتتواتر؛ قُبلة مريم زميلة الطفولة لنهلة على فمها، قُبلة الراوي لنهلة «في فمها قُبلةً تامةً استرددتَ بها رُشدكَ، في أول الليل، في القاعة الوسيعة (للكاﭬـيتريا)» (ص32).
مثل هذه الحكايات – أو الحبكات الصغيرة – باعتبارها موتيفة أو قيمة تتردد وتتراسل وتبني النسيجَ الموسيقي للرواية. يكفي أن أذكِّر فقط بموضوعاتها: مشهد العُري والمضاجعة بين زوجين أمام نهلة (لعله ترك أثراً مُحرِقاً في روحها) وقصة حَرْق نهلة يديها (كأنما هي تجسيد لحرْقٍ داخلي روحي)، حكايات سَفْر وعُقْم وحَمْل كاذب، وعُذرية أميمة المفقودة التي يتدخل الراوي جراحياً لإعادتها فيجدها مَصونة ما زالت، وخطوبة رجل مريض لنهلة على نحوٍ مفاجئ ومباشر ومؤثر، وقصة نهلة الطفلة التي تسافر مع أسرتها المهاجرة من إحدى مدن القناة أثناء حرب الاستنزاف (فيما يبدو) ولقائها مع قرينتها مريم رياض، وما يشبه أن يكون سؤالاً لا إجابة له عن طفلٍ لا نعرف ما إذا كان طفل مريم رياض (وهي "عذراء" و"عاقر"، وكلاهما غير صحيح) أم هو طفل نهلة نفسها، وإن كانت نهلة كامنة في قلب مريم، أو مريم قائمة في كيان نهلة، حتى نأتي إلى ما يمكن أن يكون بؤرة الرواية وجوهرها، وهي العلاقة بين مريم رياض ونهلة، والعقاب الذي توقعه نهلة على مريم وعلى نفسها في الوقت نفسه، تكفيراً عن قُبلة متبادلة على الفم (أو لعله تَشارُكٌ في سر هذه القُبلة نفسها) (ص67).
أقدِّر أن الخصيصة الأساسية في بنية هذه الرواية أمران هما:
أ- تراتُب ظهور وتناوُل الشخصيات الرئيسية في فصول مستقلة، يكرِّس كل فصل منها لإحدى هذه الشخصيات.
ب- تماهي هذه الشخصيات أو، على أقل تقدير، تقارُبها إلى حد التداخل.
أما عن تراتُب الشخصيات فإننا نجدها على النحو التالي: نهلة ثم مريم رياض، ثم أميمة ثم بادرة، مما يدحض ما قد يبدو للوهلة الأولى من انسياب النص على رسله في تدفُّق عفوي ليس وراءه وعي روائي يقِظ ومُدبِّر.
فإذا كان كل فصل يُفْرَد أساساً للشخصية فإن ذلك لا يأتي على سبيل النهج التقليدي الذي رأيناه، مثلاً، في روايات فتحي غانم أو نجيب محفوظ إذْ تأتي وِجهة نظر الشخصية، في كل فصل، على نحوٍ مختلف بالضرورة عن زاوية نظر الشخصيات الأخرى وإنْ كانت "تتكامل" معها كما يخطط لها المؤلِّف أن "تتكامل". بالعكس تماماً، فكل هذه الشخصيات والأحداث والتأملات تأتي من وجهة نظر واحدة هي رؤية السارد – الراوي – الـمُخاطَب في نجواه لِذاته وفي سياق حديثٍ حميمٍ يقوم فيه الراوي بسرد الأحداث مروية في زيّ مشاعر وتأملات لا عن طريق "حكايات"، أي كما أَحسَّها – ويحسُّها – هذا السارد وليس على سبيل الإيهام بأن هذا "ما حدث فعلاً" وبأن الراوي لا يفعل إلا أن "يحكي ما حدث".
ذلك كله باتخاذ تقنية أخرى (غير تقنية السرد الحكائي) هي تقنية حديث الراوي لنفسه، كمُخاطَبٍ، كأنه غيره.
هناك إذن جانبان في هذا النهج التقني: جانب النجوى الحميمة التي لا نُخطئ نبرتَها أو نكهتَها الداخلية، ولكن هناك الجانب الآخر الذي يَعْدِل هذه النجوى ويُعَدِّلها ويضيف إليها ما هو ضدها، إذْ إنه يخاطب نفسَه كأنه آخر، بضمير «أنتَ»، وفي هذا النهج التقني وحده إيماءة إلى دلالة هامة في هذه الرواية هي دلالة التوحُّد بالآخر؛ أي ما يميِّز الخصيصة الثانية في البنية الروائية: تماهي الشخصيات.
نهلة هي نصيرةُ الراوي (وهو الذي يتبدى لنا باستمرار، كما أشرتُ، في صيغة المخاطَب لا في صيغة المتكلِّم) وهي شريكتُه المتواطئةُ معه «اشتقتَ إلى نهلة، نصيرتِكَ.. وأنت عارفٌ أنها نصيرتُك» (14)، وهي أيضاً نهلة التي «بضغطةٍ صافحتكَ، والعينُ في العينِ، كشريكيْن في تواطؤ، وهمستْ بلهجةِ الشخصيات الأدبية الفاتنة: من غير الممكن ألَّا تكونَ موجوداً، في زمن حياتي!» (ص 15)، وسوف تقول في موضع آخر «ومن غير الممكن ألَّا تكونَ موجوداً في مكان حياتي!»
هذا المدخل سوف يؤدي بنا بعد قليل إلى ذلك التماهي، ليس فقط بين نهلة والراوي – باعتبارهما «شريكيْن، العين في العين» - بل بين نهلة وسائر الشخصيات النسائية، إذ يبدأ هذا التماهي مع بادرة، بعد أن يقدم لنا الراوي إحدى سمات نهلة المميزة في ملابسها «صديرية من قطيفة حمراء وجيبة سوداء» (ص 16)، وليس من الغريب أننا سوف نجدها بعد ذلك وقد عكست اللونين؛ صديرية سوداء وجيبة حمراء.
«جمالُ وجهها يطلعُ بديهياً، مملوءاً، وموروثاً، صِيغتْ حواشيه بيدها ذاتها؛ خطان صغيران بالطراز الفرعوني على جانبيْ العينين (ليست هذه الإشارة عفوية أو بلا معنى، فسوف نعرف أن نهلة وشخصيات نسائية أخرى تجسيد آخر لحضور "نِفِر"، حضور بابلي - فرعوني) وخُصلتا شعرٍ مُفرْكَشتان على الجبين، وبشْرتُها الـمُلزِمةُ لانخطافك خمريةٌ وضَّاءةٌ.. أردتَ أن تتفرَّس نورَ بشْرتِها، تلمسَهُ، وتأخذَهُ بشهوتِك وعِفَّتِك وبأيٍّ مما لديكَ» (ص 16 و17).
(لعل في هذا الاقتباس ما يشير إلى بعض خصائص أسلوب عاطف سليمان اللغوي) وتفاجئنا نهلة – أو يفاجئنا الراوي – المخاطَب – بأن:
« أفصحتْ:
- أنـا بـادرة!
أنا بـادرة! ستصلُكَ شبيهةُ بادرة، قرينتُها، رسولتُها إلى أقصى حدٍ، تستأنفُ من حيث انتهتْ بادرةُ معكَ.. أنا منتهاكَ ومنتهاي.» (ص 17).
أما «بادرة» فهي شخصية مُفاجِئة، ونحن لا نعرف من قراءة النص – وليس من ضرورةٍ أنْ نعرف – ما إذا كانت شخصية "واقعية" عينية أم أنها من خيال الكاتب. هي، في نهاية الأمر، شخصية نسائية كانت قد أتت في المجموعة القصصية الأولى لعاطف سليمان «صحراء على حِدة»، وهي إلى الأسطورة أو إلى النمط الرئيسي Arch Type اليونجي، أقرب. تتبدى عنده مجسّدة "واقعية" محددة بتفصيلات صغيرة مألوفة، ثم تتخايل، طوراً، حُلماً أو وهماً أو خاطرةً حسية. وما أشد تفاهة مَن يقول "امرأة من وهم". فلعله وهمٌ أحقُّ من أية حقيقة. فما "الوهمُ" هنا، في الفن؟ حقيقة "المرأة" أو أحقيتها هي أنها كُتِبت، أنها مكتوبة، أنها وُجِدت في الكتابة الحقة. نهلة – مريم – أميمة – بادرة – رامة ليست امرأة وهم، بل هي المرأة الحق.
«امرأةً كـ بادرة هي شيطانكَ الآسر؛ تمرُّ على حياتك فتأخذك في الحال، تستخلصُكَ بإصبعٍ صغيرةٍ حاذقةٍ، ليتحتم عليك القبوعُ على صهوة الفرس مدى الوقت، والنفْثُ في صفاء النار مدى الوقت، والتلهّي في أسخى متاهة مدى الوقت، وتُهيلُ عليكَ العَماءَ الذي سَـتفُطُّ فيه إليها مثلما تفُطُّ برادةُ حديدٍ صوب جبل مغناطيس بريء وعظيم، العماء الذي هو ملكوتكَ الأسود حيث تخطو فيه وتدور بلا طائل..» إلى آخره (ص 35 و36).
«بادرة، المرأةُ التي قد لا يلحظُها أحدُ ولا يحبُها ولا يحتاجُها أحدُ، ناهيكَ عن اعتناقها، كانت نسغاً لزهاوة الحياة. لم تُفِقْ نهلةُ إلا بسبب اطمئنانها لتَوَفُّرِ أنفاسِ بادرة بقُربها على نحوٍ ما. كنتَ أنتَ أسبابَ بادرةَ التي أُتيحَتْ لنهلة كوثيقةٍ أو كإشارةِ دليل.» (ص71).
فهل أحتاجُ إلى أن أشير إلى شاعرية "النجوى - السرد" أو إلى ملامح ما سوف أسميه "العربية المحدثة" أو "العربية الحداثية" عند عاطف سليمان؟
سوف نرى تمثالاً من الرخام المجزّع، منحوتاً منذ ما لا يقل عن قرن هو «على وجهِ التحديدِ تجسيداً فائقاً لرأسِ بادرة، شَافَّاً ملامحَها ونأماتِها وأصولَ انفعالاتها، حتى الندبة الهيِّنة عند زاوية أنفها فوق شفتها العليا.. وجدتَ الاسمَ: استعراضُ نِفر البابلـية - 1854- نُسخة القرن التاسع عشر - رخام. بعدما غادرتَ المتحفَ لم تكن بادرة هي الشخص الذي استقطبَ جيشانِ أفكاركَ، ولا مريم، ولا حتى الفنان الذي لو أُعِيدَ إلى الحياة ما صدَّقَكَ. نـهـلة.» (ص 85).
««نِفرَ» الجميلةَ البابليـَّة التي أماتتْ «سنوحي» (المصري) ولم تُـحْـيـِهِ»، أمّا مريم فقالت للراوي (هل هو سنوحي الكاتب؟): «أنا أُحْيـيكَ، تَقدمةً مني، أُحْييكَ .. هل تفهم!»
ولكنه لا يقدر أن يحدد ما إذا كان "التليغراف" الذي جاءه منها (من نهلة؟ أو من مريم؟) كان بصيغة «أشكرُكَ، فقد صـادفـتـَني وأحـيـيـتـَني.» أم «أشكرُكَ، فقد صـادقـتـَني وأحـبـبـتـَني.» (ص 56)، أم أن كلاهما قد أحيا الآخر، وكانت حياته هي حياة الآخر؟
وداعاً لرواية الأحداث والحكايات والحبكات والتشويق التلفزيوني الأمريكي العولمي الفج، وداعاً للرواية البلزاكية، ومرحباً برواية الخلَجَة والحياة الباطنية وخيالات الفكر والغموض الخصيب.
لعل الشخصية النسائية الأخرى – والأوقع أثراً في الرواية – هي مريم رياض: «ريـَّانةً وجميلةً، تتماهى في فستانٍ ثمين، مُترَعةً بوجودها وثقتها وتواضعها، لو نقَّبتَ فلن تجدَ عندها منفذاً ضعيفاً من أية جهة، قواها منتشرة بطبيعية، لا تدافعُ ولا تهاجمُ، تجتاحُ بتؤدةٍ وتهَبُكَ نعمةَ استضعافِها.» (ص40).
ثم «طبيبٌ موثوقٌ أفادها بكوْنِها لن تنجب»، «لا تغار ولا تحب أن يغار أحدُ»، « نظراتها الـمؤطَرة بنظَّارةٍ طبية والتفاتاتها الخجلى وخطواتها الشامخة والمحتشمة ظلت لا تتماشى وتعهُّرها البادي.. شقيقةُ مريم على ريشةِ رافاييل (هل هي شقيقة مريم العذراء؟)؛ أَمنَ الممكن ألَّا تكون سوى مُتهتِّكة في عفافٍ مُخاتِل!» (ص 41).
هي "رافائيلية" ومن ثم فهي عُذرية ولكنها تحمل وتلد.
جدة نهلة (نهلة كما أشرنا، وكما يتأكد طول الوقت هي وجه آخر لمريم) تقول عن مريم إنها ولدت طفلاً عندها «هذه الفاجرة»، ونهلة تقول للراوي: «أنت لا تعرف فجورَها، يا عاصي!» (ص 67)، وسوف نعرفُ بعد قليل أن الطفل أيضاً اسمه «عاصي». فهل هذا الـ«عاصي» (المتمرد؟ غير المنصاع؟ المارق؟) هو في الوقت نفسه الأب الراوي، الابن – ابن «الفاجرة» العذرية التي لا يعرف مدى فجورها؟ تلك أسئلة قائمة في الرواية، إجابتها ملتبسة، وفي النهاية غير ضرورية. يكفي قيام الأسئلة.
ولا نجد مناصاً من أن مريم رياض هي نظيرة نهلة (وجهها الآخر)، وهي في الوقت نفسه "مُحتوِيتها". هي عشيقة الراوي (هل هي أيضاً أمه؟)، ولكن ذلك العشق – أو الأمومة – إنما هو بقوة تلك الصفة: أنها قرينة نهلة.
فإذا كانت مريم رياض، فيما يبدو، هي بؤرة هذا العمل الفني، فإنما تلك حيلة تستر البؤرة الحقيقية (البابلية) نهلة (التي هي، مرة أخرى، وجه آخر لـ«بادرة») فكأننا إذن في متاهة مرايا متعاكسة، كل مرآة "تعكس" أو تجسّد وجهاً من وجوه كيانٍ واحد، وهو كيانٌ يفوقُ كليهما، كما يفوق وجوهَه المتعاكسة، لأن «جسدها متورطٌ منذ البداية في لُعبةٍ كونيةٍ خاصة.» (ص53).
ولهذا فإن «استعراض البابلية» رواية تعنى بالواقع اليومي وبتفصيلاته "المبتذلة" (إنْ كان ثَم شيء "مبتذل" على الإطلاق) لكنه توميء أيضاً إلى واقع نفسي، وروحي، وكوني.
لعل أحد وجوه هذا الكيان هو أميمة.
نهلة تبادر الراوي – بعد غيابٍ – لتقول له: «ظننتُـكَ تزوجتَ أميمةَ لا مريم ريـــاض!» (ص 62). وليس هذا، في تقديري، تقريراً لنفي "زواجه" من أميمة بل هو تقريرٌ للإثبات. هل هو بالفعل "تزوج" مريم رياض؟ وبأي معنى "تزوجها" من غير عقد رسمي بل ربما من غير عقدٍ على الإطلاق؟
ومع ذلك – أو بسببٍ من ذلك – يخاطِب الراوي نفسَه – كالمعتاد: «تفوتُ من مِصفاةٍ إلى مِصـفاةٍ (من مرآةٍ إلى مرآة؟) وأميمة مشبوكة في مشيمتكَ بحبلِ دمٍ لا يُرى ولا نهاية لطولِه؛ أميمة التي صار لها في دورانِك وجه مريم.» (ص 72).
أمّا في البداية (هل ثم في هذا العمل "بداية"؟) فإنه يخاطِب نفسَه: «ما كنتَ وأميمة صديقين حميمين جداً، وإنما دامَ بينكما ما يشبه الشروع الطويل في حبٍ عصيّ.» (ص 8).
فإذا أسقطنا من اعتبارنا شُبهة تناقُضٍ يتأتّى عادةً من لَهوجةٍ مفترضة في الكتابة، أو من عَوزٍ إلى كفاءة "سردية" - وهو ما لا أراه وارداً على الإطلاق – لأنني أجد كفاءةً في السرد ربما أكثر مما ينبغي. فكيف تكونُ أميمة مشبوكة في مشيمة الراوي وهي في الوقت نفسه – أو لعله قبل ذلك الوقت؟ - ليست إلا شروعاً في حبٍ عصيّ، مع أنها «لها وجه مريم»؟ لا تفسير ممكناً عندي إلا إذا وجدنا عند أميمة - التي هي جزءٌ ما أوثقَ حميميتَه بالراوي – وجهاً من وجوه الغربة من الراوي عن ذاته. الغربة – أو الاغتراب – سمة رئيسية من سمات هذا الراوي الذي لن يجد منفذاً من غربته عن ذاته إلا بالتماهي مع نسائه الأربعة أو هي امرأته الواحدة – هل أقول مرآته الواحدة؟ - بل هو تماهٍ أكثر من ذلك، أو هو تماهٍ يذهب إلى أبعد بكثير من ذلك، كما لعلنا سوف نرى.
سوف يرى الراوي – المخاطَب أميمةَ على النحو التالي:
«وتبدتْ رخاوةُ أصابعها الطويلة الـمربربة بمثابة شارة على فجيعتها التي لم تتأتَ فحسب من خطيبٍ منسحبٍ بل من الرجال طُرا. كانت وكأنها وُهِبتْ الاندفاعَ للتنقيب عن أُولياتِ الفرص لتُصارِحَ منْ يدنو مُلتمِساً حُبَّها وخِطبتها بأنهـا زلتْ مرةً، مرةً واحدةً، بعماءِ الـمغويّةِ بأحابيل عاشقِهَا، ومن ثم كانوا، واحداً بعد آخرَ، يكررون سلسلةَ الردودِ الكيِّسةِ الـمُزيَّنةِ بالفضائل؛ يغبطون صراحتـَهــــا ويلعنون حِطةَ الـمُخادِع، ثم لا يلبثون يتجرؤون بالعدوان، طامعين في نصيبهم منها، ومطالبين بزلاتٍ لن تعودَ تُضيرها على رياش الدعارة، وإنْ تكُن هي قد جُنِّبَتْ ذلك الـمصير فبسبب نقاءِ سريرتها الـمُحيِّر، لا غير.» (74).
أميمة على رغم سقطتها الأولى والوحيدة تظل "عذراء" لا بالمعنى البحت الفيزيقي فقط، بل بكل المعاني، وتتوسّل للراوي – المخاطَب، الذي نعرف الآن أنه طبيبٌ (مثل المؤلف) أن يعيد لها "عذريتها المفقودة" بعملية جراحية أصبحت مألوفة، ومهما أكد لها الراوي بعد الفحص الطبي الموضوعي أن «العفةَ مُصانةً، وإنْ كان شيءٌ حَدَثَ من قبل فقد استردَتْه لكِ مرونةُ الغشاء..» (75)، إلا أنها تلِحُّ وتنجح في إقناعه بأن يُجري لها "العملية الجراحية" (انظر صفحتيْ 76 و77).
الشخوص النسائية الأربعة تتماهى مع بعضها بعضاً، بل مع «عاصي» الراوي – المخاطَب، فهي الأم، الحبيبة، القديسة، الفاجرة، الداعرة، الطاهرة، العذراء التي تحمل وتلد «عاصي» الطفل وكأنما هي التي حملت «عاصي» الرجل. متاهة المرايا لم تبلغ بعد مداها، لا تصل بعد إلى منتهاها، وهل ثم لها منتهى؟
فإذا ألقينا إطلالةً على صورٍ من هذه التماهيات، أو وجوه انعكاسات المرايا على بعضها بعضاً، فلعلنا نجد:
بادرة ونهلة: «بعد الضحكِ بقيتْ نهلةُ على نتفةٍ من ابتسامتهــا حتى مادتْ، وأفصحتْ: أنـا بـادرة! تفككتَ بالدوارِ والخدرِ، لأنكَ - في ماضٍ - بلحظةِ كتابةٍ سالفةٍ، أُخِذتَ إلى أصل الـموقف الذي تزوبعُهُ نهــلةُ الآن عليـك، وبتَّ مُوقناً أن إحداهن، رُصِدتْ منذ اللحظة ذاتهــــا، ستجيئكَ وتلقي بأوراقٍ مهترئةٍ في وجهك، بدلالٍ، وتصيحُ، مُتقمِّصةً نفادَ الصبر، وتشيرُ إلى نفسها: أنا بـادرة! ستصلُكَ شبيهةُ بادرة، قرينتُها، رسولتُها إلى أقصى حدٍ، تستأنفُ من حيث انتهتْ بادرةُ معكَ، تضعُ إصبعَها على فمِكَ لتُسكِتَ دهشتك، وتدوِّخكَ: أنا منتهاكَ ومنتهاي.» (ص 17).
« تلهو نهلةُ بالمزقة.. كررتْ ذلك وكررتْه. كانت ناعمةً ومُعتصَرةً وحزينةً، ثم قالت ما كانت ستقوله: "أنا هي". كان مفهومـاً أنها تقصد بادرة وتلاحِقها».
نهلة ومريم، وهو التماهي – الانصهار الأساسي: «حكتْ لك (نهلة) عن صديقتها مريم، زميلة الطفولة.. غازلتهَا مريمُ بهيامٍ وإصرارٍ، وتجرأتْ لتزيدَ الأمرَ. قـبَّلتني في فمي.» (ص 20)، «قالتْ (مريم) إنها تحب كلَّ ما تحبه نهلة وإنها لم ولن تسرقها، ذلك هو أسلوب محبتها.» (ص 40).
أمّا الواقع النصيّ فيشي تماماً بأن مريم قد "سرقت" نهلة، واحتوتها، واندمجت بها، أي أدمجتها في كيانها، بداخلها، بل هو "حُلولٌ" متبادَلٌ في داخل كل منهما.
«على موسيقى رقصة السيف، التي تهواها نهلةُ، سابتْ لك مريمُ نفسَهَا مرةً ثانيةً. كانت الأُولى لي، أمَّا هذه فلنهلة بداخلي» (42).
«كان شيءٌ من حماستكَ يفترُ، بسبب ما سمعْته منها عن نهلة التي بداخلها..». قالت مريم: «أنت لم تخُن نهلةَ، أنت تعرف ذلك. معي لا أحد يخونُ أحداً ..» (ص 43 و44).
«بالتهدُّجاتِ التي يعترف بها المرءُ عن نفسه كانت مريمُ تفصحُ عن نهلةَ وكأنها تسعى أو تكمل سعيَها من أجل توأمةٍ معها» (46).
وهي في نهاية الأمر ليست «توأمةً» بل تماهٍ: «إنه شعـورٌ عميقٌ، لا يُحـــاط به، مغايرٌ للصداقة والحب والعشق والشبق هو ما يُملي عليَّ سبيلي للحلول في رائعتي: نهلة.» (ص 47).
«مريمُ تُملِّكُكَ بدنَها وروحَها وكأنما خُلِقَتْ كي تسوي لك شؤونَكَ. بَشَرٌ يفتديه ملاكُ. ملاكٌ يجترحه بَشَرُ، ونهلة محشورة بينكما في دَرْسٍ تنكريٍّ بارعٍ.» (ص 48).
«من غير ما تصنُّعٍ، تجلَّتْ ملامحُهَا (ملامح مريم) بالصفاء الـمقيم، واقتربتْ، وهمسَتْ من صوت نهلة: "لُبيكَ حبيبي، أنا هي"، وبالفعل، كأنها هي، هي.. ولا تجد (أنتَ) كلاماً تخبر به مريمَ أنكَ مُلاقٍ وواصلٌ بنهلة التي بداخلها» (ص 52).
«وأنتَ بما لا ينقضي من امتلائكَ بأنكَ لامستَ نهلة، ضاجعتَها بقوةٍ وبحقيقيةٍ، لا كما أرشدتْكَ مريمُ أو أوهمتْكَ، ولا بجريرة خيالٍ ممالئٍ، إنما بقوتكَ وقوتها، حقيقيتكَ وحقيقيتها» (ص 55).
السارد – المخاطَب لا يني يؤكد أن هذا التماهي – حتى في فِعل المضاجعة – ليس «بجريرة خيالٍ ممالئٍ»، بل هو قوي وحقيقي من جانبه ومن جانبها على السواء.
وأخيراً نهلة وأميمة: «تُطْلع (أميمةُ) نهلةَ على الجرح الصغير، في سريةٍ، فحَوَّطتْهُ نهلةُ ولثمتْهُ بحنُّوٍ بالغٍ، بشبق.» (ص 26)، «عمَّا إذا كان الجرحُ قد صِيغ بمديتكَ»، فهو السارد – المخاطَب – إذن فاعل في هذا التماهي الذي يُومئ بأنه شعيرة طقوسية مثل شعيرة الفرسان أو أُخوّة الدم، فجرح الإصبع أو الرسغ، وامتصاص الدم، أو امتزاجه بين اثنين، عن طريق التماس الحميم، أو عن طريق القُبلة، هو ختمٌ على أُخوّة، بل على توَحُّد.
الراوي–المخاطَب لا يكتفي بأنْ تُفصِح مريمُ عن مثل هذا التوَحُّد، بل هو يمضي إلى أن يكون إفصاحه هو نفسه: «أَكان ذلك إفصاحَ مريم؟ أَكان إفصاحَكَ؟» (ص 47).
ذلك أن التماهي يبلغ هنا حدَّه الأقصى فهو توَحُّد بين السارد – المخاطَب (بينه وبين نفسه على رغم انفصالهما في صيغة المخاطَب، إلا أنهما واحدٌ) وبينه وبين بادرة ومريم ونهلة وأميمة معاً، يُسميه تارةً «تناسُخاً»: «فنهلة، تناسخٌ نفيسٌ، لكَ أو إزاءكَ» (ص 39). ويعود فيُفصِح عن أنه حُلولٌ كاملٌ: «حبيبي ليس معي. حبيبي فـيَّ» (ص 61)، ويُسميه أكثر من مرة توأمةً بين مريم ونهلة، ثم بينه هو نفسه وبين أميمة «كتوأمٍ عنده لها ما ليس عند أحدٍ لأحد» (ص 77).
أُقدِّر أن ذلك "التماهي – الحُلول - التوَحُّد" هو كشْفٌ روائيٌّ ورؤية نفّاذة، في الوقت نفسه، لحقيقةٍ أكثر من سيكلوجية بل هي حقيقة كونية مما تعرفه خبرة الصوفيين. نحن نجد مصداق ذلك في علاقة السارِد–المخاطَب بطفلِهِ، التي تتجاوز وِحدةَ الاسم «عاصي»، بل «أنا هو ذاك» (83).
فنحن في حقيقة الأمر – كما أتصورُ – لسنا ما نظنُّ من أننا جُزرٌ منفصلة عن إحداها الأخرى انفصالاً تاماً، بل إننا نحملُ في داخلنا "الآخر" الذي هو قرينٌ ونظيرٌ، يصبح بالتالي جانباً من جوانب "الذات".
ويوشك النص أن ينتهي بما يشبه ترنيمة فرعونية وحداثية معاً: «تغشـاكَ وتغشـاها.. هي نظيرتُكَ.. أنتَ نظيرُها» (ص 90).
هي "كا"، القرينة الكامنة في داخله، وليست فقط القرينة المحلِّقة فوقه. هي الـ"أنيما" لكَ، وأنت الـ"أنيموس" لها، بالمفهوم اليونجي.
«عاصي»، الطفل الذي وُلِدَ ومات «قبل أن يُعرَفَ له اسمُ»، وإذا تحيّرنا قليلاً في أن نجد له أُمّاً "واقعية" (هل هي نهلة؟ أم مريم؟ وفيم يهمُّ ذلك ما دمنا قد وصلنا إلى أنهما – وغيرهما – كيانٌ واحدٌ متعددُ الوجوه؟)، لكننا نعرف بعد قليل أن «رحيلَ مريم كان مزعوماً، تماماً مثل عُقمِها» وأن «بطنها التي باتتْ حافلةً بالترهِّلِ والتجعيدات الدالةِ على كوْنِها أفرغَتْ حمْلَها، وولدتْ» (81)، وإذا كان «عاصي» (الطفل؟ أم الرجل؟) هو ابن «الفاجرة»، فأيهنَّ «الفاجرة»؟
في الرواية نَفَسٌ من المرارة يتكثّف في ما يطلق عليه النصُّ «النقطة الـمُرّة».
تتجسّد «النقطة الـمُرّة»، أو المرارة، في نهلة (وليست نهلة، كما قدّرنا، إلا وجهاً من كيانٍ واحدٍ متعددِ الوجوه)، ولكن ما المرارة؟ هل هي مرارة فُقدان الطفل «عاصي» فكأنه فقدانٌ للذات أيضاً؟ أم هي فقدان للحب؟ لعله كلاهما. فالملاحظ هو أننا لا نكاد نعثر على ما كنا نسميه "الحب" بمعناه الرومانسي العريق سواءً كان رومانسياً صلباً صارماً يفترض حناناً عميقاً أو تحرراً، (فُقدان هذا الحب هو الشأنُ الشائع في معظم كتابات الحداثيين الجدد، على خلاف كتابات الحداثيين المخضرمين)، أو كان رومانسياً متميِّعاً مما نعهده في الميلودراما الرخيصة. «استعراضُ البابلية» تبرأ من الرومانسية بكل ظلالها، والعلاقة فيها بين "الرجل" و"المرأة" (أياً كانت أسماؤهما) هي، أساساً، وغالباً، علاقة حِسية أو علاقة هواجس وتأملات للاحتمالات السيكلوجية (أو الميتافيزيقية) المتبادلة والمتضاربة أحياناً. فلعل الحنانَ – أو الحب بمعناه الرومانسي – هرطقةٌ ضد القانون العاطفي الذي يحكم هذه الرواية.
هذه المرارة إذن (هل هي بالفعل نتيجة لفُقدان ما كنا نسميه "الحب"؟) من سمات الراوي – المخاطَب الأساسية، بل لعلها من سمات الرواية كلها، أو من البؤر الأساسية لهذه الرواية.
«لن يرتاح لحسراتك أحدُ، ذلك أنها مريرة، وبغير مبررٍ تقريبا.» (ص 27)، «القلبُ مقفولٌ (هكذا ..!) على تلك القطرة الـمُرَّةِ، النقيَّةِ، التي لا طائل وراء التوهُّم بذوبانها في ضياء العالـم.» (ص 44).
«وبَانَ لكَ أن جسدَها تغيَّرَ، وعُريَّها تغيَّرَ، كانت تشربُكَ وتُنْهِيكَ، وكنتَ. وتطيعان أبواباً تنفتحُ وتنسابُ، ثم تنسابُ، فتلقاكَ من هناك، من النهاية الأخرى، قطرتُكَ الـمُرّة العصيَّة.» (ص 52).
«ستتحركُ وتأنسُ لقطرتِكَ الـمُرَّة، وتكون منتهى حركتكَ هي سكونكَ حقاً.» (ص 72).
نهلة (؟) إذن نقطةٌ مُرةٌ نقيةٌ، وعصيَّةٌ، ومأنوسةٌ معاً.
ثم إن «الموتُ هو ما أُدرِجتَ على خوْضِهِ، بامتياز. اتصلتَ به، استقطبتَه، وتذكَّرتَه كأداةٍ لتخليصِكَ من صنوفِ ازدحاماتِكَ، لإلهائِكَ عن الانحدارات والخسائر؛ كإجراءٍ غريزيٍّ لنقْض السأم.» (69).
وعلى طول الرواية نجد أن الراوي المخاطَب الذي بلجوئه إلى تقنية خطاب نفسه إنما يؤكد أمريْن: اغترابه عن نفسه أو انفصاله عنها، وفي الوقت نفسه اتحاده بها – وبكيانٍ إنساني متعدد الوجوه. يمشي بـ«خطواتٍ شائخة»، «خَجـِلاً وخاسرا»، «لا يريد (مع ذلك) أن يخسر»، ولا يقبل الخسارةَ، لكنه خاسرٌ خاسرٌ على كل حال، يرزح «تحت وطأة إثقالاته».
من خصائص هذه المرارة – وهذه الرواية – ذلك الالتباس الخصب بين الصدق والكذب، وتقليب تبادلات احتمالية متشابكة، فلا شيء يقينياً هنا، والحنان والقساوة متواشجان، شأن «القُبح والجمال»، «الضحية وسفّاحها»، «والعدالةُ لا تُصلحُ ما انكسر، لا تُعيدُ قطرةَ دمٍ مراقةً إلى شريانها»، «فرحٌ ليس هو الفرح» (51).
في «استعراضُ البابلية» شعرية عالية. تبدأ الرواية، في الجملة الأولى، بـ«موسيقى مرصَّعة، أبنوسية، ثقيلة وداكنة، ترفُّ أمام العين، وتسَّاقطُ على الجلد مثل زخاتِ وبرٍ ناعمٍ ودافيء، تندُّ عنها سماوات آفلة وتراتيل أزلية وتعازيم.» (ص 7). ولعل السارد – المخاطَب يقسمها قسمين يخص نفسَه منها بشاعرية تُرابية. يُخاطِب نفسَه: «ابن شاعريةٍ تُرابيّةٍ أنتَ، شاعرية الترابِ الغائـلةِ في الخصوبة والدورات والتراتب» (ص 39). ولا يُخطئ المؤلف إذْ يُضفي على نفسه «شاعرية الترابِ الغائـلةِ في الخصوبة» إذْ أن شاعريته بالفعل خصيبة كثيفة محتشدة، هي أيضاً متراتبة الدورات. ثم يخص بادرة ونهلة بوصف أنهما «سليلتا شاعريةٍ ناريِّة، تحفـَّان بترابكَ (أنتَ - أنا) فيدفأُ، ويستعِرُ، ويغدو أشدَّ مواراً من النار» (ص 39). الشاعرية – أفضِّلُ أن أدعوها شعرية – محكومة، وهي على تدفُّقها وكثافتها – كما رأينا من الاقتباسات الكثيرة – مضبوطة النبرات، سليمة الأداء، ليس فيها إغراق أو ترهُّل أرجواني، على غير المألوف عند "شعرنة" بعض المزيَّفين.
ومن الممكن أن نرى في «استعراضُ البابلية» "قصة-قصيدة" (بالدال) كاملة، حتى لو غلبت السرديةُ فيها على "الإيقاعية" في بعض المواضع، ولا شك عندي في أن الفقرتين الأخيرتين من "الرواية-القصيدة" هما بذاتهما قصيدتان خالصتان.
ومع أن الكثافة والاحتشاد والشاعرية «الغائلة» قد تكون في بعض المواقع عوائق دون وصول "الرسالة" أو "المحتوى" (على كراهيتي لهاتين المفردتيْن ولهذه الفكرة كلها..!)، أي دون اكتمال دورة العملية الفنية نفسها، إلا أن الجهد الذي يتطلبه التلقي هنا، شأن تلقي الأعمال الفنية الخصبة، يُجزي نفسَه بنفسِه، ولعله يتطلَّب أكثرَ من قراءة، كما يُعاوِد المرءُ النظرَ إلى لوحةٍ فنية أو يُعاوِد سمع قطعة موسيقية عالية.
إن الفقرة التي جاء بها المؤلف من «إمرسون» بترجمة «محمود محمود» فيها ردٌّ مسبقٌ ومستسلَفٌ على إمكانية أو احتمال اتهام النص بما يُسمَّى "الغموض" نتيجة لهذه الكثافة. و"الغموض"، بطبيعة الحال، مسألة نسبية تماماً، غير محددة، ولعلها تحتاج إلى عمل إحصائي وعلمي دقيق، إذْ إن دوائر التلقي أو "المقروئية"، بالمصطلح الجاري في هذا السياق، ليست واحدة ولا متطابقة، فإذا كان «إمرسون» يقول لنا إنه «ليس في العالـم، في وقتٍ واحد، أكثر من اثني عشر شخصاً يقرأون أفلاطون ويفهمونه، وليس من بين هؤلاء من يستطيع أن يشتري نسخةً واحدة من مؤلفاته، ومع ذلك فإن هذه المؤلفات تنحدر من جيلٍ إلى جيلٍ من أجل هذه القلة من القراء، كأن اللـهَ يحملـها لهم بين يديه»، فلعلهم الآن أكثر من اثنى عشر قارئاً، لكن المسألةَ تظل صحيحةً أيّاً كان عدد قُراء أفلاطون القلائل، أيّاً كان عدد قُراء عاطف سليمان (من غير مقارنات). ذلك أن العملَ الفلسفي الكبير أو العمل الفني الحق قادرٌ على أن يصل منه شيءٌ ما إلى كلٍ من هؤلاء المتلقين.
من خصائص الشعرية العالية هنا ألّا يأتي اسمُ شارع أو مكان محدداً، مُتعيّناً، بل يُستعاضُ عن ذلك بإشاراتٍ عامة جداً. كل شيء وكل مشهد وكل خاطرة ملفوف في ضوء شعري غائم أو ساطع على السواء، فهو مثلاً يقول: «تأهبتم للذهاب إلى سوق الكتب، ووسط الميدان الحاشد انضويتم تحت دفءٍ آخر وضوءٍ آخر؛ صنوٍ فريدٍ» (ص 18). فما هو «سوق الكتب»، وأي «ميدان» ذلك الذي يقع فيه سوق الكتب، هل هو سور الأزبكية في ميدان العتبة، مثلاً؟ لو أن التحديد الطبوغرافي جاء هنا، هل كان ذلك سيضير بالشعرية ويقلل «الدفء والضوء»؟ وفي المقابل يأتي الوصفُ الخارجي للشخصيات النسائية دقيقاً مفصَّلاً يحدد نوع الملابس ولونها بما يكاد يقارب الفتيشية، ومع ذلك فهل في هذا التحديد والتدقيق ما يضير بالشعرية؟
أمّا لغة عاطف سليمان فهي متميّزة وخاصة ولها فرادة وجُرأة. ومن أمثلة المفردات البكر أو النضرة أو المفترعة ما نجده في صفحة واحدة، على سبيل الاختيار العشوائي: «فجوة تشرَّختْ»، «اضطرام العلاقة الـمائرة (من مَارَ يمورُ)»، «أصيلة وقاصفة» أو «كانت نسغاً لزهاوة الحياة»، «تلاقٍ عاصِرٍ»، «بفستانِها الصـائبِ الفيروزيِّ»، و«سحرك طافر»، «إثخان الموقف»، «تطوافات»، «ازدحامات»، «إثقالات»، «إيمانات»، وهكذا.
وقد يستخدم المؤلف مفردات ليست "أرثوذكسية"، كما يُقال، أي ليست سليمة مستقيمة أو هي عامية بحتة من قبيل «يُلاشي» أو «أجزمتَ» أو «شوّحت» أو «تشغى» أو «قارِحة» أو «مربربة» أو «أسأمك أنْ تجأر»، وإنْ كانت، كلها، في سياقها، غير ناشزة ولا ناتئة ولا مقحام.
ومن اللافت في لغة عاطف سليمان إيثاره للصيغة الصرفية "ينفعل"، من قبيل «ينذبحُ قلبُهَا»، «فانوصَلَتْ لهن مودتُكَ»، «سرعان ما انتشأَ أمام عينيك»، «انعزلَ»، «انجرحَتْ عقولٌ»، «تنعتمُ». فهل في هذه الصيغة ما يشي بنوعٍ من القدرية والطواعية "للانفعال"؛ بمعنى الطواعية لوقوع الفعل من علٍ أو من الخارج وليس "الفعل" بمعنى الإيجابية في إحداث الحدث وليس مجرد تقبُّله أو الانصياع له؟ أيمكن أن يكون في إيثار هذه الصيغة ما يوحي باغترابٍ ما، كنتُ قد أشرتُ إلى جانبٍ من جوانبه في استخدام صيغة المخاطب للذات، أي "الأنتَ-أنا"؟ إذْ إننا، إذا رددنا الطرفَ إلى الرواية كلها، وجدنا أن مَن يقوم بالفعل، أي مَن يبادِر بإيقاع الواقعة، هي المرأة متعددة الوجوه وليس السارِد-المخاطَب الذي يكتفي بالانفعال، أي بوقوع الفعل عليه.
كان عاطف سليمان قد أصدر مجموعة قصصية بعنوان «صحراء على حِدة»، ولذلك الكتاب الأول، الذي لم يلقَ – كما هو متوقَّع – أي رواج إعلامي أو نقدي، قيمة فنية مرموقة، فقد كان بِشارةً بظهور – بل تحقُّق – كاتب ذي موهبة كبيرة ومقدرة عالية في فن القص، وعلى وجه التحديد في فن القص التجديدي أو الطليعي، لا باعتبار ذلك الفن من محاولات "المبتدئين" أو من شُداة الفن، بل باعتباره فناً يتطلّب درجة كبيرة من تملُّك ناصية فن السرد، وقد تأكّد ذلك بظهور «استعراض البابلية» التي لم تلقَ حظاً يُذكَر من اهتمام النقّاد.
ومن الواضح أن الكاتب على مستوى يُعتدّ به من الثقافة، والدربة، والاطلاع على منجزات هذا الفن بعامةٍ.
من خصائص عمل هذا الكاتب في مجموعة «صحراء على حِدة» ورواية «استعراض البابلية» معاً أنه يستطيع أن يوظِّف ما يمكن أن أسميه "شاعرية النقائض بين الموت والحياة، ودلالات كل منهما"؛ (في قصة «الجسد الذي طلع إلى الموت الأزرق»، مثلاً)، وإنْ كانت المقابلات – بمعنى: التواجُه والتراسُل والتنافُر – بين النقائض تتبدّى في عمله كله، وهي رؤية تنعكس في وعائها، غير المنفصل عنها، من المفردات والأوصاف.
فهو إذن لا يرى الأمورَ سوداءَ حالكة أو بيضاء شاهقة، ولا يرى في أي أمرٍ من الأمور بُعداً واحداً، بل هو دائماً يقع، أو يوجد، في منطقة رمادية، منطقة الالتباس الضروري والطبيعي الذي نغفلُ عنه كثيراً لأننا ننشدُ الوضوح، كما أنه يرى أكثرَ من بُعدٍ واحدٍ في كل موقف وكل شخصية وكل مشهد.
ومن سمات عمله القصصي، كذلك، الإيحاء بجو خُرافي، فانتازي، باستخدام بُنَىً عادية، يومية، بحيث يصبح الواقعُ وما وراء الواقع، عنده – كما ينبغي أن يكونا، في ظني – دائماً – وحدةً متناغمة.
الخصيصة الثالثة – كما تجلوها قصته الثالثة من «صحراء على حِدة» «ريثما تلتئمُ الوردة» - هي امتزاج الأزمان، بل امتزاج الآباء والأبناء، وهو ما يتردد في أكثر من عملٍ لهذا الكاتب، دون إقحامٍ، ودون افتعال.
المخيلة التي تؤتي عملَها في نصوص هذا الكاتب لها شطحاتها، بما يتأتّى عن ذلك، كما أشرتُ، من تركيباتٍ لغوية فيها جُرأة (ليست ناجمة عن جهلٍ باللغة أو قصورٍ في الخبرة بها) بل لأن جُرأة الفانتازيا تقتضيها بالضرورة. والحالُ أن هذه "الرؤية - التقنية" تقتضي مفاجآت في تحولات الظواهر إلى نقائضها أو إلى استحالاتٍ مغايرة لها، فيكشف ذلك عن أغوارٍ مُضمَرة لا يضغط الكاتبُ علينا في بيانها، بل يمسّها بخِفةٍ ورهافة، لتتركنا في حالة الدهشة التي لا غِنى للفن الحقيقي عنها. تُصاحِب ذلك كله، وتعزِّزه، يقظةٌ عقلية للاحتمالات المختلفة الكامنة في موقفٍ، أو في تأمُّل الجوانب المختلفة لفكرةٍ ما، أو في تقليب مناحي شعورٍ أو حِسٍّ ما، مما يُكسِب النصَّ كثافةً – مطلوبة ومحمودة – وغِنى. لننظر إلى ذلك في كل نص «استعراض البابلية» وإلى قصتيْ «بادرة والأوقات المغلَقة» و«خرائب الهارمونيكا»، ومع ذلك فإنّ على هذا الكاتب أن يُولي اهتماماً خاصاً ببضع هنات لغوية متواترة، تشوب قوةَ اللغة عنده، كما أن عليه، في ظني، أن يصيخ السمع إلى فقراتٍ تُقارِبُ فيها الشعرية أو "الشعرنة" اللفظية حداً من السرف يهزم نفسَه بنفسه، فلعلها من عثرات الكتابات الأولى إذْ أُلاحِظُ انحسارَ ذلك في قصصه الأخيرة وفي روايته على وجه الخصوص.
السمة الرئيسية، في ظني، عنده، هي ما يمكن أن أسميه غلبة الخيالات العقلية محكومة الشطْح ودقيقة التركيب، فهي فانتازيات مُدبَّرة في الغالب، تلقائية أو عفوية في النادر، ولعل أسس هذه الخيالات العقلية، من حيث البنية القصصية تحتاج إلى مزيدٍ من الترسيخ، ولعل ذلك قد تحقّق على الأخص في قصتيْه الأخيرتيْن البديعتيْن «الميلاد الشاهق» و«حواس الحريقة» (المكتوبتيْن في 1992 و1994 على التوالي) من «صحراء على حِدة» ثم في روايته.
الإيقاع السائد في عمل عاطف سليمان هو التناغُم – أو التراسُل – أو التجاوُر، على الأقل، بين دقة رصْد الجزئيات الواقعية وبين تخييلاتٍ أو تهويماتٍ هي بطبيعتها غير قابلة للتدقيق أصلاً، مما يُوجِدُ تزاوجاً موسيقياً كونترابنطياً من شأنه أن يولد قلقاً مخصباً. ذلك، بطبيعة الحال، من شأن القص الحداثي الذي يرفض من البداية أن يقود القارئَ إلى استنامة الراحة أو الركون إلى الإجابات المهدهِدة.
يتأتى هذا التزاوج أيضاً من شاعرية لغة – ورؤى – مُصاغة بعباراتٍ لها سمت التقريرات العقلية الصاحية، ولعل ذلك وليد خصيصة موهبة هذا الكاتب: استمتاعه بكل النقائض، سواء كان ذلك بين طرفيْ المعادلة المجازية أو بين طرفيْ التخييل والتفكُّر.
القصتان الأخيرتان في مجموعته القصصية «الميلاد الشاهق» و«حواس الحريقة» كانتا تُنبئان بمرحلة جديدة في فن هذا الكاتب، بل تؤكدان نُضجاً لا شك لديَّ فيه، وامتلاكاً للأداة الفنية العالية وللرؤية الخاصة التي تبدو ذات بكارةٍ لا تُنكَر، ذلك أن الذكاء السردي الذي يتمتّع به الكاتبُ على طول عمله قد أصبح مُحكَماً ومُلهماً في الوقت نفسه، واتسعت رقعةٌ ضروريةٌ للانفعال، لعلها كانت مُضَيَّقاً عليها في القصص الأولى من مجموعته، وأخذت براحَها في روايته. أصبح لِرقة القلب مكانها وإنْ كانت مُضمَرة، مُسترَقة كامنة – و أظنها لا غنى عنها للعمل الفني – بجانب دقة العقل، وخفتت شُبهةُ اللعبُ العقلي المصمَّم من قبل، أو التدبير المسبَق الذي كان يبدو ناتئاً في بعض القصص الأولى من مجموعته، وإنْ كانت تغطيه دائماً – وتغفره – دفقاتٌ من التخييل لا غلاب لها.
فإذا كانت «صحراء على حِدة» بِشارةً وتأكيداً، في الوقت نفسه، لموهبةٍ حقيقية في أدبنا القصصي الحداثي فإن «استعراض البابلية» تأتي لتثبت هذه البشارة وتؤكد هذا التحقق.
____________________
نقلاً عن كتاب «القصة والحداثة»، الكاتب «إدوار الخـرَّاط»، (الفصل السادس، من ص119 إلى ص140)، الناشر «مركز الحضارة العربية»، القاهرة، 2002.
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
الكتب الإلكترونية هي مكملة وداعمة للكتب الورقية ولا تلغيه أبداً بضغطة زر يصل الكتاب الإلكتروني لأي شخص بأي مكان بالعالم.
قد يضعف نظرك بسبب توهج الشاشة، أدعم ناشر الكتاب بشراءك لكتابه الورقي الأصلي إذا تمكنت من الوصول له والحصول عليه فلا تتردد بشراءه.
أنشر كتابك الآن مجانا
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل
الملكية الفكرية محفوظة للمؤلفين المذكورين على الكتب والمكتبة غير مسئولة عن افكار المؤلفين
يتم نشر الكتب القديمة والمنسية التي أصبحت في الماضي للحفاظ على التراث العربي والإسلامي
، والكتب التي يتم قبول نشرها من قبل مؤلفيها.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنِّي من صنعه".