التحميل مجاناً لكن نقدم بعض الخدمات المدفوعة ادعمنا بالإشتراك فيها
حذف الإعلانات وتسريع تصفح المكتبة.
يبدأ التحميل بضغطة زر دون انتظار تجهيز الكتاب.
لا حدود لمرات التحميل.
يمكنك رفع كتب بلا حدود بالمكتبة.
تمكين القراء من تحميل كتبك دون إنتظار.
حذف الاعلانات على الكتب التي تنشرها.
لا مشاكل في روابط التحميل لكتبك المرفوعة.
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
| مؤلف: | ر.ك نارايان |
| قسم: | روايات إثارة ومغامرات مترجمة [تعديل] |
| اللغة: | العربية |
| الناشر: | مشروع كلمة للترجمة |
| ردمك ISBN: | 139789948014249 |
| تاريخ الإصدار: | 01 يناير 2009 |
| الصفحات: | 258 |
| ترتيب الشهرة: | 316,029 رقم 1 هو الأشهر ! |
| رابط مختصر: | نسخ |
| المزيد من الكتب مثل هذا الكتاب | |
المؤلف كتاب بائع الحلوى والمؤلف لـ 3 كتب أخرى.
بلغ ر.
ك.
نارايان من العمر حين وفاته 94 عاما ، و كان يعتبر أعظم كتاب الهند الذين يؤلفون باللغة الإنكليزية.
إن أسلوبه المرن و النفّاذ و الذي يخدعك ببساطته و يبدو بريئا من التقنية ، يتميز برطانة خاصة في الأصوات ، و بدمج الحس الفكاهي مع الأحزان العامة ، و بعمقه الفلسفي.
كان يتمتع بقدرات في صياغة إيقاع و حيثيات الحياة في الهند ، حياة لها اتصال مع عامة الناس في الثقافات الأخرى.
لقد كانت وجهة نظره (من غير مبالغة ) موضوعية ، و قد كتب عنه غراهام غرين في عام 1939 يقول : ” هذه الحرية الفائقة في التعبير هي أقوى رهان جريء يقامر به روائي “.
لاحظ غرين في كتاباته و هو الذي جمعته مع نارايان صداقة أدبية متينة و طويلة ” حسا مبطنا يتحدث عن الجمال و الحزن ” بنفس الطريقة التي تجدها عند تشيخوف.
كتب نارايان 15 رواية و عددا كبيرا من القصص القصيرة .
و عموما جميع أعماله كانت تدور أحداثها في مالغودي ، المدينة الخيالية النائمة التي تقع في جنوب الهند.
ثلاث من هذه الروايات ، و هي : الخبير المالي ( 1952 ) ، الدليل ( 1958 ) ، و أكلة لحوم البشر في مالغودي ( 1961 ) ، أنيطت بها مهمة تقديم اتجاهه في الفن.
نشر أيضا بعض المقالات و تقارير عن رحلاته و صياغة جديدة للملاحم الهندية و سيرة حياته.
و كان عنوانها : أيامي ( 1974 ).
ولد راسيبورام كريشنا سوامي نارايان في مدراس.
و هو الثالث من ثمانية أولاد ، اعتنت به جدته من طرف أمه في مدراس.
و ذلك في ظل تقاليد صارمة للطبقة البراهمانية المتوسطة للتاميل.
و لكن بقية أفراد العائلة عاشوا في ميسور.
و قد أخذ من جدته الحكايات الشعبية ، و تقاليد السرد المشوق ، و محبة الموسيقا الكلاسيكية في جنوب الهند.
أما عمه النبيه و الإيديولوجي و المرتبط بأدب التاميل الكلاسيكي و بشكسبير فقد رسخ لديه القيم الخالدة.
درس نارايان في إرسالية لوثرية ، ثم في مدرستين بمدراس ، و ذلك قبل أن يدعوه والده إلى ميسور عام 1922.
و كان تلميذا ملتزما ، يصرف الوقت في الصف بأحلام اليقظة ، و لكن والديه كانا يؤمنان بضرورة تعليمه و بقيمة الثقافة.
و كان لديهما موقف ليبرالي من الحياة.
و كانا ضد الأرثوذوكسية في الدين و المجتمع.
أما ولع الأولاد بالأدب الإنكليزي قد دعمته مكتبة المدرسة التي شغل أبوهم فيها منصب المدير.
و قدمت لهم المجلات الإنكليزية ذخيرة مناسبة عن المشهد الأدبي في لندن.
مع ذلك أخفق نارايان مرتين في الانتساب للجامعة.
أول مرة بسبب امتحان اللغة الإنكليزية.
و بعد سنتين حصل على قبول من جامعة المهراجا في ميسور، حيث كتب أول قصصه القصيرة.
و هناك أيضا كون عددا من الصداقات التي سوف تتناولها في وقت لاحق أحداث قصصه.
بعد الانتهاء من الدراسة في عام 1930 حاول نارايان أن يقوم بالتدريس ، و لكنه يئس من ذلك خلال أربعة أيام.
و في أيلول عام 1930 ، في يوم اختارته له جدته ، فتح دفتر المذكرات بانتظار الإلهام.
كتب سطرا واحدا كالتالي : ” في يوم الإثنين صباحا ..”، و هنا شاهد بعين خياله محطة للقطارات كان اسمها ” على ما يبدو واضحا له ” – و هكذا ولدت مالغودي.
اعتبر نارايان هذه اللحظة منعطفا حاسما في حياته الأدبية.
و أشار لذلك في عام 1995 بقوله: ” أنا كاتب بليد حينما لا أتنفس من هواء مالغودي “.
و بعيدا عن الاضطرابات في شبه القارة الهندية ، كانت مالغودي ملاذا آمنا.
كانت الأدغال والغابات في الجوار.
و تبدو كأنها جزء من الحياة ، و تهيمن عليها الألوان و الشخصيات.
وبواسطة الشخصيات و التزاماتهم الأخلاقية استطاع الكاتب أن يذيب حاجز العزلة ، و أن يميط اللثام عن اختياراته الكونية على وجه الخصوص.
أما عراب نارايان الفانتازي ، فقد كان صديقه كيتو بورنا ، و هو الذي عرض على غرين في أكسفورد قصصه المبكرة وروايته الأولى ، سوامي و أصدقاؤه ، حصل ذلك في مرحلة مبكرة من الثلاثينيات.
كان الكتاب قد مر على عدد من الناشرين في لندن دون جدوى ، و قد نصح نارايان صديقه ” أن يحزم الكتاب و يربطه بحجر ثم يلقي به في مياه التيمز “.
و لكن بفضل تدخل غرين في عام 1935 استطاع أن يجد الناشر.
و أعقب ذلك روايات أخرى ، ” بكالوريوس في الآداب – 1937 ” ، و ” الغرفة المظلمة -1938 “.
ثم ثارت زوبعة من المراجعات في الصحف ، غير أن المبيعات كانت في الحدود الدنيا.
ثم في غفلة من التقاليد استطاع أن يجد عروسه ، راجام ، التي اقترن بها عام 1934 .
و بعد سنتين ولدت ابنتهما : هيما.
و تعبتر وفاة راجام بالتيفوئيدعام 1939 أول ضربة قاصمة أقضت مضجع نارايان.
ثم حاول أن يحقق معها اتصالا روحيا.
كان يعتقد أنها على قيد الحياة في عالم آخر.
و وصف هذه المرحلة من الانهيار العصبي في روايته الرابعة “المعلم الإنكليزي – 1945 ” ، و قد ساعده ذلك على التوصل إلى هدنة مع خسارته و على رسم الخطوط الأولى لفلسفة شخصية طبعت كتاباته اللاحقة.
و استطاع نارايان أن يربي ابنته وحيدا و بمعونة من العائلة.
و بعد أن عاد غرين إلى حياته في أعقاب الحرب العالمية بمنتصف الأربعينيات ، اتصلت عرى الصداقة الأدبية ، كان نارايان يرسل له كل أعماله الهامة ليعرف رأيه قبل النشر.
و قام غرين بتنقيح هذه الكتابات طوال عدد من السنوات و بتنظيف القواعد و التراكيب من الشوائب ، و اقتراح عناوين ، مع التعبير عن إعجابه.
و دبت الحماسة أيضا في سومرست موم ، ي.
م.
فورستير ، هـ .
ي .
بيتس ، مالكولم موغيريدج ، كمبتون ماكينزي ، وبول سكوت.
و في عام 1956 ، و في الطريق إلى الولايات المتحدة بمنحة من مؤسسة روكفيلير ، توقف نارايان في لندن.
كانت هذه أول رحلة له خارج الهند.
و هناك قابل غرين لأول مرة.
كانت الخطوط الأولى من روايته ( الدليل ) في ذهنه.
و استشار غرين هل يجب على البطل أن يعيش أو أن يموت.
و لم يتردد غرين حيال ما بحوزة نارايان.
بين يديه ” حياة رجل محكوم عليه بالموت حتى قبل الولادة و التقدم بالعمر “.
و في غضون ثلاثة أشهر تم إنجاز الكتاب.
تمسك نارايان في ميسور بأسباب الحياة البسيطة ، و لكنه تحول إلى رحالة.
لم تتراجع قدراته الإبداعية حتى و هو في العقد التاسع من العمر.
و هناك ثلاث روايات هي : الرجل المتكلم ( 1986 ) ، عالم ناغاراج ( 1990 ) ، و حكايات الجدة ( 1992 ) ، لا تدور أحداثها في مالغودي.
كذلك كتب قصاصات و مقالات و خواطر للصحف.
و في بواكير التسعينيات بعد مرض ألزمه الفراش ، غادر ميسور إلى مدراس حيث أرسى دعائم بيت عاش فيه مع ابنته.
و لكن وفاتها في نيسان عام 1994 كانت الفاجعة الثانية في حياته.
حصل نارايان على عدة جوائز منها جائزة أكاديمية ساهيتيا الهندية، و جائزة الجمعية الملكية للآداب التي تحمل اسم آرثر كريستوفير بينسون ، و في عام 1964 منحه موطنه واحدا من أرفع الأوسمة ، و هو بادما بوشان.
و رشح لجائزة نوبل.
و في عام 1985 رشح لمجلس اللوردات الهندي ، راجيا سابها ، و ذلك لقاء خدماته للثقافة الوطنية.
كان لأدب نارايان عمق فلسفي و تحليل أخلاقي أصلي و جوهري.
و قد اهتم بالفجوة التي تفصل الرؤية الواقعية عن الفرضيات ، و بالضياع على مستوى الجذور في العلاقات البشرية.
و لا شك إن الطابع اللطيف و الساخر و الإنساني لأعماله سوف يضمن لمالغودي أن تبقى على قيد الحياة.
راسيبورام كريشناسوامي نارايان (ر .
ك.
نارايان ) ، كاتب ، ولد في 1 تشرين الأو ل 1906 ، و توفي في 13 أيار 2001 .
** من قصص نارايان 1 – الحارس ما زال هناك ظل أحمر خفيف على الأفق الغربي.
وقف الحارس على العتبة المعدنية ، و مسح كل شيء بعينيه لمرة أخيرة.
جميع الأشخاص الذين حضروا لنزهة مسائية انصرفوا إلى بيوتهم.
لم يتبق أحد على الإطلاق في أي مكان ما عدا شخص واحد ممتنع جلس في النهاية الشمالية ، و قدماه في الماء ، و كان ينظر بحزن إلى سنارة الصيد.
لم تكن هناك فائدة من القلق حوله : سوف ينتظر حتى منتصف الليل ، على أمل صيد معقول.
دق ناقوس مكتب المقاطعة ليعلن أنها الساعة التاسعة.
و تأكد الحارس أنه لم يعبر الأسلاك الشائكة أي قطيع شارد في غفلة منه.
و حينما استدار لينصرف بدوره ، شاهد ، على مسافة مائة ياردة تقريبا ، ظلا لشخص مجهول يهبط السلالم التي تقود إلى حافة الماء.
ورد في ذهنه أنه مجرد خيال وهمي .
ثم استبعد هذه الفكرة من أساسها ، و تقدم ليقطع الشك باليقين.
ربما هو عابر سبيل حضر ليغتسل في هذه الساعة… و لكن من أعلى السلالم تبين له أنه قوام امرأة.
كانت تنحني على الدرجة الأخيرة و تضع شيئا ما يشبه رسالة ، ثم تقدمت من الماء حتى غاصت فيها ركبتاها ، و وقفت هناك ، و قد شبكت يديها لتصلي.
هذه و لاشك إشارات لا تخطئها العين ، و تدل على مشكلة ذات تفاصيل مزعجة ، و سوف يحضر بعدها رجال الشرطة ، و ربما تنتشر الأقاويل حول الحوض و ملابساته.
صاح بصوت مرتفع : ” اخرجي من هناك ، اخرجي من الماء”.
نظر الشبح إلى أعلى و هو في المياه.
و أسرع الحارس عبر السلالم و التقط الرسالة ، و هو يقول : ” لا تقفي هناك لتتأمليني بنظراتك .
سوف تصيبك نزلة برد.
اخرجي من هناك بغض النظر عمن تكونين..” .
و على الفور أضرم النار بمصباحه الزيتي ، و رفع من مستوى الفتيلة ، حتى أصبح لسان النار طويلا و متوهجا، ثم مده إلى أعلى ، و قال بصوت منخفض : ” كم أكره هذا.
لماذا يأتي الجميع إلى هذا الحوض ؟.
لو لدى أحد رغبة بالموت ، ليقذف نفسه تحت عجلات قطار “.
سقط الضوء على وجه الشخص الآخر ، لقد كانت فتاة شابة ، تبللها الدموع.
شعر بشفقة مفاجئة ، و قال : ” اجلسي ، اجلسي و التقطي أنفاسك..
كلا ، كلا ..
اصعدي بمقدار درجتين ثم اجلسي.
لا تجلسي قرب الماء مباشرة…”.
أطاعت.
و هو بدوره جلس على الدرجة الأخيرة في الوسط بين الماء و الفتاة.
و وضع المصباح على السلالم.
ثم أخذ قطعة من التبغ و ألقاها في فمه.
دفنت الفتاة وجهها بين يديها ، و بدأت بالنحيب.
و هنا ساوره القلق و سألها : ” ماذا يمنعك من النهوض و العودة إلى البيت ، يا سيدتي؟”.
قالت من بين تنهيداتها و نحيبها : ” ليس لدي بيت في هذا العالم !”.
قال الحارس : ” لا تقولي ذلك!.
لا يعيش أحد كل هذا العمر من غير بيت “.
ردت تقول : ” فقدت والدتي حينما كنت في الخامسة من عمري “.
قال الحارس : ” خطر لي ذلك..”.
ثم أضاف : ” و لا بد أن الوالد تزوج كرّة أخرى ، و عشت في رعاية زوجة الأب ؟”.
سألته قائلة : ” نعم ، نعم ، كيف عرفت ؟”.
قال : ” لأنني أبلغ من العمر خمسا و ستين عاما “.
بعد ذلك سألها : ” هل كانت زوجة أبيك ظالمة ؟”.
قالت له الفتاة : ” كلا .
أنت مخطئ بذلك.
كانت لطيفة معي.
و اعتنت بي بعد وفاة والدي منذ عدة سنوات.
كانت بحوزتها حفنة من نقود تركها الوالد ، و أنفقتها علينا بالتساوي “.
نظر الحارس إلى النجوم ، و تحسّر على العشاء الذي فات أوانه ، ثم قال : ” تأخر الوقت يا سيدتي.
يجب أن تعودي إلى البيت “.
رددت بقهر : ” أخبرتك ليس لدي منزل “.
” بيت زوجة أبيك معقول كما يبدو لي من أقوالك.
كانت طيبة معك “.
” و لكن لماذا أكون عبئا عليها .
من أنا بالنسبة لها ؟”.
قال الحارس : ” أنت ابنة زوجها “.
ثم أضاف : ” هذا هو المبرر “.
” كلا ، كلا ، لن أعيش على إحسان الآخرين “.
” في هذه الحال يجب أن تنتظري حتى يحين وقت العثور على زوج لك “.
برقت عيناها في العتمة و هي تقول له : ” هذا شيء لا أرغب به.
أود أن أتابع الدراسة ، حتى أصبح طبيبة و أحصل بكدي على طعامي.
لا أريد أن أتزوج.
دائما كنت أفطن لأمي في غياهب الليل و هي تتحدث مع ابنها الأكبر بقلق حول مستقبلي ، حول زواجي .
كنت أعلم ليس بإمكانهم توفير نفقات الدراسة في الجامعة حتى النهاية.
هذا يتطلب منهم عشرين روبية في الشهر تقريبا “.
قال الحارس بتعجب : ” عشرون روبية.
كيف يمكن لشخص أن ينفق هذا القدر الطائل على الكتب ! “.
كان هذا يعادل راتبه في شهر كامل.
قالت : ” كنت حتى هذا اليوم و أنا أتمنى لو أفوز بمنحة .
هذا وحده ينقذ حياتي .
و لكن في هذه الأمسية بالذات أعلنوا عن أسماء الفائزين .
لقد حاز عليها غيري و ليس أنا.
لم يكن اسمي بينهم “.
قالت ذلك و انخرطت في البكاء.
نظر إليها الحارس بدهشة.
لم يستوعب إلا النذر اليسير من هذه الملابسات .
و لكنها تابعت تقول : ” حينما يبلغ مسمع الآخرين ما حصل ، سوف يسرعون بترتيب زواج لي.
و في الغد أتوقع أن يحضر من يفحصني بنظراته “.
” تزوجيه و بعون الله سوف تنجبين منه عشر أولاد”.
قالت بصوت هيستيري : ” كلا ، كلا ، لا أرغب بالزواج.
أود لو أتابع دراستي “.
تمزقت أشلاء الليل الصامت بنحيبها و تنهداتها ، و خفقت أجنحة طير ليلي فوق الماء ، و كانت الموجات الصغيرة و الضعيفة ترتطم بالشاطئ.
لدى رؤية معاناتها ، استيقظت في ذهنه آلام حياته الخاصة ، كيف في تلك الأزمنة البعيدة ، في بيته الريفي الصغير ، ضربت الكوليرا أباه و أمه و أشقاءه و طرحتهم في الفراش و في غضون يوم واحد ، و لم يبق على قيد الحياة سواه ، ثم كيف سلبه أقارب الوالد بمكرهم بيت أسلافه ، لقد تحول إلى متشرد و يتيم ، و عانى من الحرمان و الجوع الذي لا مثيل له.
قال لها : ” لكل شخص بؤسه .
لو أن كل امرئ قتل نفسه بعد مصيبة، من الصعب أن نحزر كم مرة يجب أن يلقي بنفسه في المياه “.
و وردت إلى ذهنه ذكريات أخرى من هذا النوع ، و هنا ارتعش صوته بالألم و هو يقول : ” أنت شابة و لا تعلمين ما هو الحزن..
“.
لبث صامتا لفترة ثم شهق ، و هو يضيف قائلا : ” ابتهلت لجميع الآلهة كي أرزق بصبي ، و حملت زوجتي ثمانية أطفال.
و لكن لم يبق على قيد الحياة غير بنت واحدة.
من تبقى لم تشرق عليه شمس السنة الحادية عشرة من العمر “.
تبادلت معه الفتاة نظرة حائرة .
و في هذه الأثناء قرع ناقوس مكتب المقاطعة مجددا.فقال لها : ” تأخر الوقت فعلا.
من الأفضل أن تعودي أدراجك إلى البيت.
“.
ردت تقول : ” و لكن ، ليس لدي بيت “.
شعر بالتوجس منها ، و قال : ” أنت تضخمين الوهم.
يجب أن لا تكوني عنيدة “.
فقالت : ” أنت لا تعلم مقدار معاناتي “.
حمل مصباحه و أشياءه الأخرى ، ثم نهض ، و أعاد رسالتها إلى المكان الذي كانت فيه.
ثم قال : ” لو أنك عنيدة إلى هذه الدرجة ، سأدعك وحدك.
لا أحد سيلومني على ذلك”.
و تمسك بحبال الصمت لفترة من الوقت ، ثم نظر إليها لمرة أخيرة ، و صعد السلالم ، و لم يتبادلا ، بعدئذ ، كلمة واحدة.
حينما عاد إلى مهامه في اليوم التالي ، هبط السلالم بسرعة ، و شاهد الرسالة في المكان الذي تركها فيه خلال الليلة الماضية.
أخذها بيده و نظر فيها ، من غير أمل يرجى ، كان كمن ينتظر أن تخبره بمصير الفتاة بعد أن تركها وحيدة ،و لكنه مزقها و رماها في المياه.
و هو يراقب الفتات الورقية تطفو بعيدا وسط حلقات مائية صغيرة ، لام نفسه لأنه خذلها في الليلة المنصرمة..
كان دائما يقول لنفسه : ” لا شك أنني مسؤول عن حادثة انتحار واحدة على الأقل في هذا الحوض “.
و لم يعد بوسعه أن ينظر إلى البون المائي الأزرق بضمير مرتاح.و كان لعدة شهور يعتقد أن بقايا جثمان ميت سوف تصعد من تحت الماء دون سابق إنذار.
و طوال الوقت كان يفكر بصمت قائلا : ” من يعلم ، أحيانا تغوص الجثة إلى القاع و لا تطفو” .
بعد عدة سنوات ، و في إحدى الأمسيات ، و هو يقف على حدود السد ، و يأخذ من المكان نظرة شاملة أخيرة قبل العودة إلى البيت ، شاهد سيارة تأتي من أسفل الطريق.
خرج من السيارة رجل و امرأة و ثلاثة أطفال ، و تسلقوا سفح الحوض.
و حينما اقتربوا منه ، خفق قلب الحارس.
كان قوام و وجه المرأة معروفين لديه كما يبدو.
مع أن السنوات و التبرج و الثياب تبدل الملامح ، اعتقد أنه رأى هذا الوجه ، بمعونة من ضوء مصباحه الزيتي ، مرة قبل الآن.
لقد شعر بالحبور لهذه المصادفة.
و كانت لديه أسئلة كثيرة ليتحرى عنها.
وضع راحتي يديه معا في ضمة واحدة ، و ألقى التحية على السيدة باحترام ، و توقع أن تتوقف و تتبادل معه أطراف الحديث ، و لكنها بالكاد ألقت عليه نظرة عابرة و تابعت طريقها .
وقف خلفها لدقيقة من الوقت يتأملها ، كان مرتبكا .
.
ثم قال لنفسه بصوت ثقيل و خافت : ” ربما هذه غيرها “.
واستدار ليعود إلى البيت ،و هو يتهيأ لنسيان هذه الذكريات و محوها من الذهن… 2 – عاطل عن العمل فقد راما راو مهنته قبل ما يزيد على عام تقريبا ، و ذلك حينما تلاشت من الوجود شركة الغراموفون التي عمل معها بصفة وسيط عن مالغودي.
و لقد استثمر ميراثه المحدود كضمانة قدمها للشركة.
و على مدى خمس سنوات أمّن له عمله مبلغا معقولا للإنفاق ، مبلغا معقولا و حسب ، و سمح له بتوفير الرفاهية لكل من زوجته و أطفاله.
لقد شيد بيتا ريفيا في توسيع المدينة و كان يفكر بشراء سيارة صغيرة مستعملة لينتفع منها.
و لكن في أحد الأيام ، حلت لعنة من السماء ، و وقع الانهيار.
سلسلة من الظروف طرأت على جو العمل : ظروف تجارية و مصرفية و سياسية و كانت هي المسؤولة عن كل شيء.
و هكذا إن شركة الغراموفون ، و التي لها مصانع في شمال الهند ، انهارت تلقائيا بعد سقوط مصرف في لاهور ، و هذا حصل بدوره نتيجة لموت مصرفي في بومباي.
كان المصرفي يقود سيارته على سفح جبل صغير حينما انحرفت العربة و استقرت في الأسفل على مسافة ثلاثمائة قدم.
و شاعت فكرة حول انتحاره لأن زوجته فرت في اليوم السابق مع أمين الخزانة.
الخلاصة وجد راما راو نفسه فجأة على قارعة الطريق.
في البداية لم يستوعب المعنى الحقيقي للأزمة.
كان هناك قدر صغير من النقود في المصرف و كان بمتناول يده بعض الأسهم.
و لكن حركة الأسهم كانت بطيئة ، و أسعارها تنخفض بسرعة.
بصعوبة كانت تتوفر له عدة مئات من الروبيات.
و حينما تقدم بطلب لاستعادة الضمان ، لم يجد أحدا في الطرف الآخر ليستلم الاستمارة.
ثم ذابت النقود في البنك بلمح البصر.
و حاولت زوجة راما راو أن تتبنى سياسة حكيمة.
صرفت الطباخ و السعاة و سحبت الأولاد من روضة للأثرياء ، و أرسلتهم إلى مدرسة ابتدائية حكومية.
و في النهاية عرضوا البيت الجديد للإيجار و انتقلوا إلى منزل صغير و متواضع في شارع السوق الخلفي.
كان راما راو يتقدم يوميا بدزينة من استمارات التوظيف ، حتى أن قدميه تورمتا من البحث عن عمل.
بالنسبة لرجل يقترب من الأربعين ، البحث عن عمل ليس سهلا ، و بالأخص إذا كان فقد مؤخرا تجارة جيدة و مستقلة.
كان راما راو ماهرا في عرض طلبه.
كان يقدم بطاقته و يسأل : ” لو بوسعك يا سيدي أن تسدي لي أي معروف.
لقد خسرت أعمالي دونما سبب.
و سوف أكون ممتنا لو أتحت لي فرصة العمل في مكتبك… “.
” يا للأسف يا راما راو ، أنا بغاية الخجل.
لا شيء في الوقت الراهن.
لو سنحت الفرصة سوف أتذكرك حتما..”.
كانت هذه الحالة تتكرر في كل مكان.
عاد إلى البيت مساء ، و قد غاص قلبه بين ضلوعه ، و هو يدخل في أول شارع السوق الخلفي .
لا شك أن زوجته تقف الآن على الباب و الأطفال وراءها ، يتأملون الشارع .
يا لتلك الوجوه القلقة و المتحفزة !.
هناك الكثير من الخوف و التردد و الأمل.
تجد كل هذا في وجوههم.
كانوا دائما على مشارف الأمل بعوته إلى البيت مع نهاية سعيدة و سحرية.
و لما تذكر الطريقة العقيمة التي واجهها ، و الخاتمة البائسة التي صرفه بها أرباب العمل ، رغب لو أن الزوجة و الأولاد يتمتعون بقدر أقل من الثقة به.
نظرت زوجته في وجهه ، و استوعبت الموضوع ، ثم استدارت على عقبيها من غير كلمة واحدة.
و كذلك الأولاد وقفوا صامتين.
حاول راما راو تحسين الموقف بقلب جريء ، و قال : ” حسنا ، حسنا ، كيف نحن اليوم ؟”.
و تلقى من الزوجة و الأولاد همهمات خافتة و استجابة غير واضحة.
لم يكن يود أن يراهم في هذه الظروف.
هناك في توسيع المدينة كانت تلك المرأة الصغيرة تشرق بالورود و الثياب البهيجة ، هناك تجد جيرانا ودودين ، و منتدى للنساء ، و كل ما من شأنه أن يبعث في قلبها الحبور.
و لكن الآن نادرا ما تكون لديها القناعة أو الجرأة لتبديل ثيابها قبل النوم ، إنها تمضي سحابة يومها في المطبخ .
في بيت توسيع المدينة ملاعب للتسلية و دزينة من الأطفال الآخرين ، كان من الممكن الحصول على عدد كبير من الأصدقاء في روضة منظمة.
و لكن ليس للأولاد هنا أصدقاء ، و ليس بمقدورهم اللهو إلا في الباحة الخلفية من البيت.و قد بدأت قمصانهم تتمزق بالمقارنة مع ثوب جديد لكل فصل من العام كما حصل في البيت السابق.
رقد راما راو في السرير و سهر طوال الليل.
لم يستطع أن يغمض أجفانه.
كل النقود السائلة تبخرت الآن.
و مصدر دخلهم الوحيد و الضئيل يأتي من إيجار بيت التوسع.
إنهم يتمزقون إربا ليحزروا ماذا سيحل بهم لو قرر المستأجرون التخلي عن هذا البيت فجأة.
في هذه الظروف و في قاعة المطالعة التابعة لمؤسسة خيرية وقعت إحدى المجلات بيد راما راو .
كان اسمها القبطان ، و تتألف من أربع صفحات ، و كلها مخصصة للكلمات المتقاطعة.
و كانت تقدم أسبوعيا جائزة كبرى تبلغ قيمتها أربعة آلاف روبية.
خلال الأسابيع التالية أهمل شؤون العائلة.
و عكف على البحث عن حل مناسب : هل الكلمة الصحيحة هي ” دسم – tallow ” أم ” يتبع – follow “.
هل هي ” سيء – Bad ” أم ” مجنون – mad ” أم ” حزين – sad “.
السؤال : ما هي الكلمة المناسبة للعبارة التي تقول : ” أشخاص على هذه الشاكلة من الأفضل تجنبهم “.
كم كان من الصعب أن ينظر إلى أطفاله و زوجته واقفين على عتبات الباب كلما عاد في المساء إلى البيت.
في كل أسبوع كان يستثمر جزءا يسيرا من النقود لإرسال جواب هذه الألغاز ، و في كل أسبوع كان ينتظر صدور النتائج بقلب يخفق.
و في أحد الأسابيع و قرابة صدور النتيجة تسكع قرب بائع الصحف ، و لم يبث الدفء في أوصاله غير الانتظار للحصول على نظرة من آخر عدد من مجلة القبطان دون قرش يدفعه.
لم يكن بمقدوره أن ينتظر حتى يصل هذا العدد إلى غرفة المطالعة في المؤسسة الخيرية.
أحيانا كان بائع الصحف يزأر بوجهه ، و كان راما راو يواجهه بتفاؤل غريب و حذر.ثم يقول : ” انتظر حتى أربح الجائزة ، سوف أشترك لمدة ثلاث سنوات و الدفع مقدما “..
و هو يفتح الصفحة التي أعلنت عن أسماء الفائزين ترنح قلبه.
كانت الإجابة الصحيحة من نصيب شخص في بلوشيستان ، و آخر في داكا ، و ثالث من سيلان.
و لكن ليس راما راو.
و احتاج راما راو لثلاث ساعات كي يستيقظ من الصدمة.
كانت الطريقة الوحيدة كي يستمر على قيد الحياة على ما يبدو الاشتراك بلغز الأسبوع القادم.
و هذا يضمن له قدرا من الأمل لعدة أيام أخرى.
هذا التعاقب الحاد بين الأمل و الإحباط خرب في وقت قصير أعصابه و توازنه.
في البيت بالكاد كان يتكلم مع الآخرين.
و كان رأسه دائما في حالة تنكيس و تفكير.
و كان يتعارك مع زوجته كلما رفضت أن يأخذ روبيا لإنفاقه على اللغز الأسبوعي.
كان موقفها متمنعا باعتدال ، و لكنها لم تستطع أن تواصل الانخراط في المشاحنات و الشجار.
مع العلم أن النتيجة هي الحصول على ما يريد ، كنت تعتقد أن هذه تضحية سخيفة بالمقارنة مع نفقات المنزل.
في أحد الأيام أعلنت المجلة عن جائزة خاصة بقيمة ثمانية آلاف روبية.
و هذا ضاعف من آمال راما راو في المستقبل عشر مرات.
فكر باللغز.
لم يكن فيه غير أربع زوايا ضعيفة.
و توجب عليه أن يشترك على الأقل بأربع استمارات.
هذا يمنحه فرصة أعظم للفوز.
قال لزوجته : ” يجب أن تعطيني مبلغ خمس روبيات في هذه المرة “.
لم ترد المرأة الطيبة.
لقد فقد الإحساس بهذه الأمور في الفترة الأخيرة ، إنه لم يكن قادرا على ملاحظة الطبيعة الشريرة لهذا الطلب.
مبلغ خمس روبيات هو تقريبا طعام العائلة لأسبوع كامل.
شعر بالإضطراب قليلا ، و لكن سريعا كان لا بد له من التخمين هل الجواب الأصح هو : أمل – Hope أو عقار – dope أم حبل – rope ( بعض الأشخاص يفضلون هذه المفردة لتدل على اليأس ).
، و في الحال دخل ذهنه في حالة من الاستقرار.
بعد إرسال الأجوبة بالبريد المسجل شيد قصورا من الرمال في الهواء.
حتى لو أنه فاز بجزء من الجائزة سوف يحصل على قدر لا بأس به من النقود.
ثم سوف يطرد المستأجرين ، و يعود مع الزوجة و الأولاد إلى توسيع المدينة ، و يترك كل المبلغ بين يدي زوجته لتدبير الأمور طوال سنتين أو ما شابه ، و هو شخصيا سيحتفظ بمائة و يذهب إلى مدراس للبحث عن فرصته بالثراء هناك.
و في الفترة التي تبذر بها الزوجة النقود يكون قد وضع يده على عمل مربح في مدراس.
و في اليوم الحاسم لظهور النتائج فتح راما راو مجلة القبطان ، فباغته الجواب الصحيح.
إن الصدمة كانت مميتة.
لم يكن أمامه أي مجال حتى لاستعادة بضعة أنّات.
غاب حتى المساء.
و كلما فكر بالموضوع كلما كانت الحياة تبدو له مستحيلة و لا تطاق.
..
كل خساراته ، قنوطه ، و حنقه من هذه الحياة هبط فوق كاهليه كما لو أنه تضاعف عدة مرات.
و في المساء عوضا عن العودة إلى البيت سار بمحاذاة سكة القطار.
و تجاوز القضبان و سار في منطقة عبور القطارات لحوالي ميلين.
كان الطقس معتما.
من مسافة بعيدة كانت الأضواء تبرق ، و الأنوار الخضراء و الحمراء لإشارة مرور واحدة و يتيمة كانت تتناوب فيما حوله على مبعدة شوطين .
و هنا توصل إلى النتيجة التالية : إن الحياة لا تساوي شيئا.
إذا كانت الحياة في هذا العالم عبارة عن سوء حظ ، فإن خير دواء لها هو الموت على الخطوط الحديدية أو ربما بحبل .
( ” عقار ؟- dope أمل ؟ – hope ” كان ذهنه يتساءل دون إرادة منه ).
ثم استنكر ذلك.
قال في نفسه ” كلا ، لا شيء من ذلك “.
رفض الفكرة الأخيرة و عاد إلى التفكير بالموت ، الزوجة ،الأولاد … لم يكن هذا يعني له شيئا.
الشيء الجوهري الآن هو التلاشي من الوجود ، الانقراض.
تمدد عبر الخطوط الحديدية.
كان الحديد لا يزال دافئا.
كان اليوم السابق حارا.
و شعر راما راو بالسعادة لأن القطار القادم من تريشنيبولي سيصل في غضون عشر دقائق.
رقد هناك لفترة يصعب التكهن بطولها.
كان يرهف أذنيه ليلتقط صوت القطار ، و لكنه لم يسمع غير صخب و أزيز خافت من مسافة بعيدة… و سرعان ما حل به السأم من الرقاد هكذا.
فنهض على قدميه و عاد إلى المحطة.
و هناك شاهد حشدا من الناس على الرصيف.
سأل أحد الموجودين : ” ماذا حل بالقطار ؟”.
” أحد القطارات خرج عن القضبان على بعد ثلاث محطات ، و سد الطريق.
و هم يرسلون الآن النجدة.
جميع القطارات ستتأخر عن موعدها قرابة ثلاث ساعات في هذا اليوم… “.
قال راما راو و هو يعدو إلى البيت : ” إلهي ، رحمتك “.
كانت زوجته بانتظاره على عتبات الباب ، و عيناها على الطريق.
و حالما رأته ارتاحت من غمتها و تنهدت.
ثم استقبلته بحرارة لم يعهد مثلها في السنوات الماضية.
و سألته : ” آه ، لماذا تأخرت اليوم.
كنت أشعر بالقلق طوال هذه الأمسية.
حتى الأولاد شاركوني نفس الشعور.
يا للمساكين !.
ذهبوا إلى أسرتهم من فترة بسيطة.”.
حينما جلس ليأكل أضافت تقول : ” المستأجرون حضروا من توسيع المدينة و استفسروا لو نبيع لهم البيت.
و هم جاهزون لدفع المبلغ نقدا في الحال.
ربما من المناسب أن نبيع “.
رد راما راو يقول ببهجة : ” فكرة ممتازة “.
في الوقت الحالي نستطيع أن نحصل منه على أربعة آلاف و نصف.
اتركي لي النصف ألف و سأرحل إلى مدراس و أرى إن بمقدوري توظيفه في مشروع ذي نفع.
و ستبقى الميزانية معك لتدبري شؤون المنزل”.
سألته برصانة : ” هل ستوظف الخمسمائة في ألعاب الكلمات المتقاطعة ؟”.
هنا انتاب راما راو شعور بالقنوط للحظة من الزمن ، ثم أقسم بأغلظ الأيمان قائلا : ” كلا ، ليس مرة أخرى “.
3 – عظام من الماضي قال الراوي : كنت الوسيط التجاري لشركة تصنع الأسمدة الكيميائية ، و من متطلبات عملي أن أسافر إلى الأرياف لمدة تزيد في الشهر على عشرين يوما.
و في إحدى الأمسيات اضطررت للانتظار في نزل ريفي، يبعد عن قرية تايور حوالي الميل.
لو توفر على وجه هذه البسيطة نزل واحد مهجور سوف يكون هذا.
كان عمره يزيد على مائة عام ، و قد أقامته الشركة في مطلع عهدها ، تصميمه واسع و مستدير ، مع شرفة دائرية رائعة ، و أعمدة ثقيلة ، و طبقات من الدهان الزيتي.
كان ذلك في بستان من الأشجار الشائكة .
توجب علي أن أقضي تلك الليلة هناك ، و بالصدفة كان معي زميل ، هو ابن أخ لي.فتح لنا الباب حارس المبنى ، و هو رجل طاعن بالسن ، و تبدو عليه سيماء روح تائهة ، ثم وضع على المنضدة في الصالة قنديلا زيتيا تدهورت حالته ، و دفع بعض الأثاث الثقيل ، و و انتظر في الجوار إلى أن تناولنا طعامنا ، ثم قال إنه يجب أن يرحل في المساء.
لم يحب ابن خالي الفكرة لسبب أو آخر، و قال لي : ” عماه ، لم يجب أن يرحل ؟”.
قلت بسؤال معاكس : ” ربما لديه منزل في القرية ، أي بيت ، ماذا تريد منه ؟”.
لم يستطع أن يفسر.
و بصعوبة قال بصوت خافت : ” لفت ذلك اهتمامي “.
” أنت لا تشعر بالخوف إذا “.
قال الصبي : ” كلا ، ليس على الإطلاق “.
و لكن لاحظت أنه متوتر قليلا.
كان يعيش في مدراس ، و هو معتاد على حركة الناس و الأضواء الكهربائية ، و إن مثل هذه العزلة في بيت أثري مع ظل شاحب يلقيه مصباح زيتي قديم منحه شعورا بعدم الراحة، أو اللاطمأنينة.
و هكذا حاولت أن أقنع الرجل العجوز بقولي : ” لم لا تنام هنا ؟”.
قال العجوز بصوت كالفحيح : ” كلا ، كلا ، لا أستطيع.
شغلت منصب حارس لأربعين عاما و نيف ، لذلك لن أنام هنا.
بمقدورك أن تكتب و تشكوني.
و لا يهمني إن فقدت هذا العمل.
لن يكون التسريح ضدي في النهاية.
و لن يجدوا بديلا حتى لو دفعوا ألف ذهبية “.
و في الحال خشخش بحلقة مفاتيحه ، و شق طريقه بعيدا.
جهزت فراشا للصبي ، بالقرب مني ، و طلبت منه أن يرقد عليه.
ثم أغلقت الباب الأمامي ، و فتحت نافذة أو اثنتين ، و جلست على المنضدة ، و فتحت مصنفاتي.
كان يجب أن أسجل الوقائع في أوراقي ثم أحسب الغلة.
سحبت المصباح حتى اقترب من الأوراق ، و سريعا انسجمت مع عملي.
كان الولد يشخر.
و في الخارج كانت الأشجار الشوكية تنوح.
و لفترة من الوقت جاء من القرية بقايا صخب عام ، نباح كلاب ، أجزاء من أغنية ، و جدال يعوم في الهواء ، ثم توقف ذلك ، حتى أن الولد امتنع عن الشخير.
كانت الساعة الحادية عشرة و النصف ، حينما أنجزت عملي.
وضعت أوراقي جانبا ، و نفخت على القنديل الزيتي ، و رقدت في الفراش.
لم أكن ممن ينامون بعمق.
في العادة أستلقي و أنا أرمش بعيوني في الظلام ، و لفترة لا بأس بها.
بالضرورة أصبح الوقت بعد منتصف الليل.
و كنت على وشك السقوط في غياهب النوم ، حينما سمعت خبطات مصدرها واقيات النوافذ.
نهضت ، و دعمتها بأوتاد خاصة.
ثم عدت إلى السرير.
و بمجرد أن دخلت في طور النعاس سمعت صوت الخبطات مجددا.
قلت : ” اللعنة “.
لم يكن هناك أدنى نسمة.
لماذا تقرقع هذه الأشياء.
بحثت عن طريقي في الظلام و أغلقت النوافذ .
كان هذا من دواعي الشك و القلق.
حملت الشعلة لأتفقد الصبي : هل أزعجه ما حصل.
كان يغط بالنوم.
ثم ذهبت لأتفقد جميع زوايا البيت و لأوصد النوافذ و الأبواب.
و حينما رقدت مجددا ، بدأ نوع جديد من الإزعاج.
كان هناك صخب كأن الباب الأمامي يتعرض إلى دقات بالقدمين و اليدين.
نهضت و قلت : ” من هناك ؟”.
تراجع الصوت.
و لكن انتقل إلى باب آخر.
نفس الدقات باليدين و القدمين.
ثم على النوافذ المغلقة.
كان هذا أقرب إلى سلوك مسافر : على ما يبدو أن شخصا ما في الطريق يدق كل الأبواب و ساترات النوافذ.
و استمر الضجيج.
فقلت بصوت مرتفع : ” من هناك ، من هناك ؟”.
و كنت تقريبا أدور في المكان كلما تحرك صوت الدق من زاوية لأخرى.
و قلقت على سلامة الصبي.
ما درجة الذعر التي سيبلغها لو استيقظ.
تناولت علبة كبريت و أشعلت عودا منها.
و ما أن اقتربت به من فتيلة المصباح ، حتى هبت نفخة أطفأته.
أشعلت عودا آخر و لكن دون نتيجة.
فقدت نصف محتويات العلبة.
ثم إن زجاج المصباح سقط من الطاولة و تكسر فوق الأرض.
قربت ضوء الشعلة من الصبي ، آملا من كل قلبي أنه يغط بالنوم.
و لكن رأيته جالسا في سريره.
قلت له : ” راجو ، ارقد ، هذا شيء عابر “.
رد الصبي قائلا : ” ارقد أنت لو بمقدورك “.
و لكن لاحظت أن صوته تغير.
كان مبحوحا مثل البالغين.
و لكن كان الدق على الأبواب قد توقف.فقلت له : ” بعض واقيات النوافذ ترتجف ، و لكن على ما يبدو أنها توقفت الآن.
كما ترى قال يرد علي : ” اصمت لو سمحت.
كم أنت أناني و قاس ، لا تكلف نفسك عناء الاستفسار عما يريد هذا الرجل “.
سألته : ” ماذا تقصد ؟”.
” أنت تعلم أين ترقد عظامي “.
” تحت جلدك ، على وجه اليقين “.
قال الصوت المبحوح : ” إياك أن تعبث معي.
“.
ثم غادر الصبي فراشه ، و قبض على رقبتي ، و دفعني إلى الخارج.
كان وزني تقريبا يبلغ عشرة مكاييل إنكليزية ، و وزنه هو يصل إلى حوالي إثني عشر.
كيف بمقدوره أن يتعامل معي بتلك الطريقة؟.
شعرت بالمهانة ، و حاولت أن أقاوم.
و لكن دون فائدة.
كانت قواه متعاظمة.
لقد دحرجني في المكان ، و تقريبا كسر الباب قبل أن يفتحه ، ثم رماني بعيدا.
تدحرجت في الهواء عبر الشرفة ، و سقطت على الأعشاب ، مضعضعا و جريحا.
ثم انغلق الباب ورائي.
جلست هناك لفترة غير محددة ، كنت مذعورا و ذهني لا يعمل.
ثم في الحال تمالكت شعوري .
و كنت مسؤولا إلى حد ما.
كيف أسمح لمراهق بالتحصن في الداخل؟.
كان من صميم واجباتي إعادته سالما لأهله ، و شعرت بالأسف فعلا لأنه برفقتي هنا .
نهضت بصعوبة ، و صعدت فوق السلالم ، ثم طرقت الباب.
صرخ الصبي يقول : ” انصرف.
و إلا مزقتك إربا “.
توسلت إليه بقولي : ” راجو ، راجو.
ألن تفتح الباب لعمك ؟.”.
” انظر.
أنا لست راجو.
لا تناد راجو بعد الآن.
هلا فهمت؟”.
” من أنت إذا ؟”.
” و هل ترغب بمعرفة الحقيقة ؟”.
” بالتأكيد”.
” آه ، كم أنا سعيد لأنك مستعد لذلك .
و لكن ما الفائدة.
لن تساعدني “.
“بل سأفعل أي شيء لأجلك.
و لكن أخبرني أولا من تكون “.
” أنا موروغيسان –”.
” آه يا موروغيسان ، ماذا تفعل هنا ؟”.
قال الصبي بحبور : ” أنت رجل طيب “.
كان يشعر بالسعادة لأنني أناديه باسمه ، موروغيسان.
قلت بإصرار : ” و ماذا تفعل هنا ؟”.
” و أين أذهب .
هؤلاء الأوغاد يقلقون عظامي .
و لن أتحرك من هنا حتى يتوقف ذلك “.
سألته بصوت مرتعش : ” هل ترغب مني بأي شيء ؟”.
كانت فكرة جمع عظامه المجهولة في منتصف الليل تثير مخاوفي.
و لكن الصبي قال : ” نعم .
اذهب إلى الباحة الخلفية ، و احفر لاستخراج جذور شجرة التمر هندي الكبيرة.
و سوف ترى عظامي.
احملها و ألق بها في البئر.
و أعدك بالرحيل دون عودة “.
” و إن لم أفعل ؟”.
” لن أغادر هذا المكان أبدا.
و لن أفتح الباب “.
بعد عدة دقائق قلت : ” موروغيسان.
ألن تخبرني بشيء عن نفسك ؟”.
” كنت أستريح هنا في إحدى الليالي و أنا في الطريق إلى مالغودي.
و ذلك الرجل خنقني و سلب مني محفظة النقود.
ضغط الوسادة على وجهي و أعتقد أنه جلس فوقها “.
” من فعل ذلك “.
” الرجل الذي بحوزته مفاتيح البيت “.
” أليس هو عجوز و غير قادر على ذلك ؟”.
” آه ، كلا.
كان قويا جدا بالوسادة.
..
ثم دفنني تحت شجرة التمر هندي.
و الآن كل خنزير يبحث عن قاذورات ليأكلها يقرع بخطواته فوق رأسي طوال اليوم.
و كل حمار أو عابر سبيل يقلق عظامي.
إنهم يضعون كل أنواع النفايات في أكوام هنا.
كيف أستريح إذا ؟”.
” لو رميت بالعظام في البئر ، هل ستفتح الباب و تغادر المبنى دون عودة ؟”.
قال ابن الأخ : ” هذا وعد مني “.
ذهبت إلى هناك.
و بيدي شعلتي ، و بحثت عن أداة أحفر بها.
سحبت قضيبي بامبو من السور ، و ذهبت إل الباحة الخلفية ، و باشرت بالعمل.
لم أكن جبانا ، و لكن الموقف برمته هزّ أعصابي.
كانت الباحة الخلفية مكانا غامضا ، صف لا نهاية له من الأشجار و الشجيرات و التلال الصخرية التي تشرف على كل شيء من الأعالي.
و كانت بنات آوى تعوي من مسافة بعيدة ، و حشرات الليل تحبو في كل مكان ، و تئز.
علاوة على هذه المهمة ، الحفر بحثا عن عظام كائن لا أعرفه و في عتمات الليل.
وضعت القنديل المشتعل على الأرض و مسحت بيدي بعض النفايات المتراكمة تحت الشجرة.
بعد الحفر في الأرض لنصف ساعة عثرت على جمجمة و بعض عظام الساق.
شعرت بالدوار.
لم أجد غير ست أو سبع قطع.
أخذتها بيدي.
على مبعدة ياردات كانت توجد البئر ، كانت الأعشاب و الغبار الذي تجمع بينها يخفي تلك البئر.
رميت بالعظام فيها .
و حينما غاصت في المياه ، سمعت صياح الصبي من داخل البيت يقول : ” شكرا جزيلا ، و الوداع الآن “.
عدوت إلى الداخل.
كان الباب مفتوحا.
و الصبي يستلقي على عتباته.
حملته إلى فراشه.
و في اليوم التالي سألته : ” هل نمت قرير العين ؟”.
” أجل.
و لكن انتابتني أحلام مزعجة “.
كان صوته لطيفا و هادئا.
فسألته : ” هل بمقدورك أن تحملني و تلقيني في الخارج ؟”.
ضحك الصبي و قال : ” يا له من سؤال يا عماه ، ليس بمقدوري !”.
حوالي الساعة السادسة عاد الحارس العجوز.
كنت جاهزا للرحيل.
كان علي أن أسير حوالي ميلين حتى تقاطع الطرق لأستقل بالحافلة الأولى إلى مالغودي.
و هكذا سوّيت الحساب مع العجوز: كان يجب دفع ثمن زجاج الفانوس ، ثم إيجار الليلة.
و حينما هممت بالمغادرة لم أستطع أن أمسك لساني.
دعوته إلى زاوية منعزلة و سألته : ” أنت سمعت باسم موروغيسان.
الرجل الذي لجأ إلى هذه الاستراحة في أمسية مضت ؟”.
شحب وجه العجوز و أجاب يقول : ” لا أعلم شيئا.
اذهب و اعتن بشؤونك الخاصة “.
” سأخبر الشرطة بما أعلم.
“.
سقط عند أقدامي و قال بصوت مكسور : ” الشرطة.
و لكن لا علم لي بالأمر.
لا تعمل على إنهاء حياة رجل مسنّ”.
ابتعدت عنه و انضممت لابن أخي.
فسألني : ” لماذا سقط العجوز على الأرض ، يا عمي ؟”.
قلت على سبيل الرد : ” لا أعلم.
“.
طوال الطريق و أنا أسعى وراء الحافلة كنت أوازن في سري هذه الاختيارات : هل أخبر الشرطة أم لا ، و لكن في النهاية لم أرجح ذلك.
أنا رجل لا تنقصه المشاغل ، و التورط مع الشرطة شيء يقتضي التفرغ .
و ذات يوم حين تخف وطأة مشاغلي ربما أثير هذا الموضوع.
تحكي رواية بائع الحلوى للروائي الهندي الشهير نارايان حكاية رجل يدعى جاجان يقوم على تربية ابنه مالي، ويدير محله الصغير للحلويات. يكرس بطل الرواية حياته لرعاية ابنه الوحيد بعد وفاة زوجته، فيوفر له كل ما يلزمه من طعام وشراب واهتمام أبويّ لا حدّ له. ويحرص نارايان من خلال تفاصيل صغيرة وأحداث عديدة أن ينقل لنا فكرة واضحة عن عادات وتقاليد وقيم ومبادئ يتمسك بها المجتمع الهندي. فيصف لنا طفولة جاجان وصباه وكيفية اختياره لزوجته، ومن ثم إقامة أفراح واحتفالات كبيرة وفقاً للتقاليد الهندية العريقة. لقد أبدع نارايان في كتابة هذه الرواية التي تنضح بأفكار فلسفية عميقة، ومبادئ وقيم سلوكية تطبق معظمها في بلادنا، بوصفنا من الشعوب الشرقية الأصيلة.
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
الكتب الإلكترونية هي مكملة وداعمة للكتب الورقية ولا تلغيه أبداً بضغطة زر يصل الكتاب الإلكتروني لأي شخص بأي مكان بالعالم.
قد يضعف نظرك بسبب توهج الشاشة، أدعم ناشر الكتاب بشراءك لكتابه الورقي الأصلي إذا تمكنت من الوصول له والحصول عليه فلا تتردد بشراءه.
أنشر كتابك الآن مجانا
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل
الملكية الفكرية محفوظة للمؤلفين المذكورين على الكتب والمكتبة غير مسئولة عن افكار المؤلفين
يتم نشر الكتب القديمة والمنسية التي أصبحت في الماضي للحفاظ على التراث العربي والإسلامي
، والكتب التي يتم قبول نشرها من قبل مؤلفيها.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنِّي من صنعه".