التحميل مجاناً لكن نقدم بعض الخدمات المدفوعة ادعمنا بالإشتراك فيها
حذف الإعلانات وتسريع تصفح المكتبة.
يبدأ التحميل بضغطة زر دون انتظار تجهيز الكتاب.
لا حدود لمرات التحميل.
يمكنك رفع كتب بلا حدود بالمكتبة.
تمكين القراء من تحميل كتبك دون إنتظار.
حذف الاعلانات على الكتب التي تنشرها.
لا مشاكل في روابط التحميل لكتبك المرفوعة.
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
| مؤلف: | عباس العقاد |
| قسم: | علم الفلسفة والمنطق [تعديل] |
| اللغة: | العربية |
| الناشر: | الهيئة العامة السورية للكتاب |
| ترتيب الشهرة: | 270,124 رقم 1 هو الأشهر ! |
| رابط مختصر: | نسخ |
| المزيد من الكتب مثل هذا الكتاب | |
المؤلف كتاب ابن الرومي الشاعر المجدد لـ د ركان الصفدي والمؤلف لـ 790 كتب أخرى.
عباس محمود العقاد أديب ومفكر وصحفي وشاعر مصري، ولد في أسوان عام 1889م، وهو عضو سابق في مجلس النواب المصري، وعضو في مجمع اللغة العربية، لم يتوقف إنتاجه الأدبي بالرغم من الظروف القاسية التي مر بها؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات، ويعد العقاد أحد أهم كتاب القرن العشرين في مصر، وقد ساهم بشكل كبير في الحياة الأدبية والسياسية، وأضاف للمكتبة العربية أكثر من مائة كتاب في مختلف المجالات، نجح العقاد في الصحافة، ويرجع ذلك إلى ثقافته الموسوعية، فقد كان يكتب شعرآ و نقدآ و فكرآ على السواء، وظل معروفآ عنه أنه موسوعي المعرفة يقرأ في التاريخ الإنساني و الفلسفة و الأدب و علم الاجتماع.
اشتهر بمعاركهِ الأدبية والفكرية مع الشاعر أحمد شوقي، والدكتور طه حسين، والدكتور زكي مبارك، والأديب مصطفى صادق الرافعي، والدكتور العراقي مصطفى جواد، والدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، كما اختلف مع زميل مدرسته الشعرية الشاعر عبد الرحمن شكري، وأصدر كتابا من تأليفهِ مع المازني بعنوان الديوان هاجم فيهِ أمير الشعراء أحمد شوقي، وأرسى فيه قواعد مدرسته الخاصة بالشعر، توفي العقاد في القاهرة عام 1964م.
حياته:
ولد العقاد في أسوان في (29 شوال 1306 هـ - 28 يونيو 1889)، لأم من أصول كردية.
اقتصرت دراسته على المرحلة الابتدائية فقط؛ لعدم توافر المدارس الحديثة في محافظة أسوان، حيث ولد ونشأ هناك، كما أن موارد أسرته المحدودة لم تتمكن من إرساله إلى القاهرة كما يفعل الأعيان. واعتمد العقاد فقط على ذكائه الحاد وصبره على التعلم والمعرفة حتى أصبح صاحب ثقافة موسوعية لا تضاهى أبدًا، ليس بالعلوم العربية فقط وإنما العلوم الغربية أيضًا؛ حيث أتقن اللغة الإنجليزية من مخالطته للأجانب من السائحين المتوافدين لمحافظتي الأقصر وأسوان، مما مكنه من القراءة والإطلاع على الثقافات البعيدة. وكما كان إصرار العقاد مصدر نبوغه، فإن هذا الإصرار كان سببًا لشقائه أيضًا، فبعدما جاء إلى القاهرة وعمل بالصحافة وتتلمذ على يد المفكر والشاعر الأستاذ الدكتور محمد حسين محمد، خريج كلية أصول الدين من جامعة القاهرة. أسس بالتعاون مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري "مدرسة الديوان"، وكانت هذه المدرسة من أنصار التجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي العتيق. وعمل العقاد بمصنع للحرير في مدينة دمياط، وعمل بالسكك الحديدية لأنه لم ينل من التعليم حظاً وافراً حيث حصل على الشهادة الابتدائية فقط، لكنه في الوقت نفسه كان مولعا بالقراءة في مختلف المجالات، وقد أنفق معظم نقوده على شراء الكتب، والتحق بعمل كتابي بمحافظة قنا، ثم نقل إلى محافظة الشرقية.
توفى العقاد في 26 شوال 1383 هـ الموافق 12 مارس 1964 ولم يتزوج أبدا.
وظائف الحكومة
اشتغل العقاد بوظائف حكومية كثيرة في المديريات ومصلحة التلغراف ومصلحة السكة الحديد وديوان الأوقاف. لكنه استقال منها واحدة بعد واحدة. ولما كتب العقاد مقاله الشهير "الاستخدام رق القرن العشرين" سنة 1907، كان على أهبة الاستعفاء من وظائف الحكومة والاشتغال بالصحافة.
بعد أن مل العقاد العمل الروتيني الحكومي. وبعد ان ترك عمله بمصلحة البرق، اتجه إلى العمل بالصحافة مستعينا بثقافته وسعة إطلاعه، فاشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور. وكان إصدار هذه الصحيفة فرصة لكي يتعرف العقاد بسعد زغلول ويؤمن بمبادئه. وتوقفت الصحيفة عن الصدور بعد فترة. وهو ماجعل العقاد يبحث عن عمل يقتات منه. فاضطر إلى إعطاء بعض الدروس ليحصل قوت يومه. ومما قاله العقاد عن تجاربه مع وظائف الحكومة:
"ومن السوابق التي أغتبط بها أنني كنت فيما أرجح أول موظف مصري استقال من وظيفة حكومية بمحض اختياره، يوم كانت الاستقالة من الوظيفة والانتحار في طبقة واحدة من الغرابة وخطل الرأي عند الأكثرين. وليس في الوظيفة الحكومية لذاتها معابة على أحد، بل هي واجب يؤديه من يستطيع، ولكنها إذا كانت باب المستقبل الوحيد أمام الشاب المتعلم فهذه هي المعابة على المجتمع بأسره."
"وتزداد هذه المعابة حين تكون الوظيفة كما كانت يومئذ عملا آليا لا نصيب فيه للموظف الصغير والكبير غير الطاعة وقبول التسخير، وأما المسخر المطاع فهو الحاكم الأجنبي الذي يستولي على أداة الحكم كلها، ولا يدع فيها لأبناء البلاد عملا إلا كعمل المسامير في تلك الأداة."
"كنا نعمل بقسم التكلفات أي تدوين الملكيات الزراعية أيام فك الزمام، وليس أكثر في هذه الأيام من العقود الواردة من المحاكم ومن الأقاليم فلا طاقة للموظف بإنجاز العمل مرة واحدة فضلا عن إنجازه مرتين."
"وكنت أقرر عددا من العقود أنجزه كل يوم ولا أزيد عليه ولو تراكمت الأوراق على المكتب كالتلال، ومن هذه العقود عقد أذكره تماما.. كان لأمين الشمسي باشا والد السيد علي باشا الشمسي الوزير السابق المعروف، مضت عليه أشهر وهو بانتظار التنفيذ في الموعد الذي قررته لنفسي. وجاء الباشا يسأل عنه فرأيته لأول مرة، ورأيته لا يغضب ولا يلوم حين تبينت له الأعذار التي استوجبت ذلك القرار."
"إن نفوري من الوظيفة الحكومية في مثل ذلك العهد الذي يقدسها كان من السوابق التي أغتبط بها وأحمد الله عليها.. فلا أنسى حتى اليوم أنني تلقيت خبر قبولي في الوظيفة الأولى التي أكرهتني الظروف على طلبها كأنني أتلقى خبر الحكم بالسجن أو الأسر والعبودية.. إذ كنت أؤمن كل الإيمان بأن الموظف رقيق القرن العشرين"
العمل بالسياسة:
بعد أن عمل بالصحافة، صار من كبار المدافعين عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، فدخل في معارك حامية مع القصر الملكي، مما أدى إلى ذيع صيته واُنْتخب عضوًا بمجلس النواب. سجُن بعد ذلك لمدة تسعة أشهر عام 1930 بتهمة العيب في الذات الملكية؛ فحينما أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، ارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلًا: «إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه». وفي موقف آخر أشد وطأةً من الأول، وقف الأديب الكبير موقفًا معاديًا للنازية خلال الحرب العالمية الثانية، حتى إن أبواق الدعاية النازية وضعت اسمه بين المطلوبين للعقاب، وما إن اقترب جنود إرفين روميل من أرض مصر حتى تخوف العقاد من عقاب الزعيم النازي أدولف هتلر، وهرب سريعًا إلى السودان عام 1943 ولم يعد إلا بعد انتهاء الحرب بخسارة دول المحور.
فكر العقاد
كان العقاد ذا ثقافة واسعة، إذ عرف عنه انه موسوعي المعرفة. فكان يقرأ في التاريخ الإنساني والفلسفة والأدب وعلم النفس وعلم الاجتماع، وقد قرأ وأطلع على الكثير من الكتب، وبدأ حياته الكتابية بالشعر والنقد، ثم زاد على ذلك الفلسفة والدين. ولقد دافع في كتبه عن الإسلام وعن الإيمان فلسفيا وعلميا ككتاب «الله» وكتاب «حقائق الإسلام وأباطيل خصومه»، ودافع عن الحرية ضد الشيوعية والوجودية والفوضوية (مذهب سياسي)، وكتب عن المرأة كتابا عميقا فلسفيا اسماه هذه الشجرة، حيث يعرض فيه المرأة من حيث الغريزة والطبيعة وعرض فيه نظريته في الجمال.
يقول العقاد ان الجمال هو الحرية، فالإنسان عندما ينظر إلى شيء قبيح تنقبض نفسه وينكبح خاطره ولكنه إذا رأى شيئا جميلا تنشرح نفسه ويطرد خاطره، اذن فالجمال هو الحرية، والصوت الجميل هو الذي يخرج بسلاسه من الحنجرة ولا ينحاش فيها، والماء يكون آسنا لكنه إذا جرى وتحرك يصبح صافيا عذبا. والجسم الجميل هو الجسم الذي يتحرك حرا فلا تشعر ان عضوا منه قد نما على الآخر، وكأن أعضاءه قائمة بذاتها في هذا الجسد. وللعقاد إسهامات في اللغة العربية إذ كان عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة واصدر كتبا يدافع فيها عن اللغة العربية ككتابه الفريد من نوعه اللغة الشاعرة.
معاركهُ الأدبية:
وفي حياة العقاد معارك أدبية جَعَلتْهُ نهمَ القراءة والكتابة، منها: معاركه مع الرافعي وموضوعها فكرة إعجاز القرآن، واللغة بين الإنسان والحيوان، ومع طه حسين حول فلسفة أبي العلاء المعري ورجعته، ومع الشاعر جميل صدقي الزهاوي في قضية الشاعر بين الملكة الفلسفية العلمية والملكة الشعرية، ومع محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس في قضية وحدة القصيدة العضوية ووحدتها الموضوعية ومعارك أخرى جمعها عامر العقاد في كتابه: «معارك العقاد الأدبية».
شعره:
أول دواوين العقاد حمل عنوان "يقظة الصباح" ونشر سنة 1916 وعمر العقاد حينها 27 سنة. وقد كتب العقاد في حياته عشرة دواوين. وقد ذكر العقاد في مقدمته لكتابه "ديوان من دواوين" أسماء تسعة دواوين له مرتبة وهي: يقظة صباح، ووهج الظهيرة، وأشباح الأصيل، وأشجان الليل، ووحي الأربعين، وهدية الكروان، وعابر سبيل، وأعاصير مغرب، وبعد الأعاصير. ثم كتب آخر دواوينه وهو "ما بعد البعد". في عام 1934 نظم العقاد نشيد العلم. وقد غني نشيده هذا واذيع في الراديو في حينها. وكان قد لحنه الملحن عبد الحميد توفيق زكي.
تكريم العقاد:
في أبريل من عام 1934 أقيم حفل تكريم للعقاد في مسرح حديقة الأزبكية حضره العديد من الأدباء ومجموعة من الأعلام والوزراء. وألقى الدكتور طه حسين في هذا الحفل كلمة مدح فيها شعر العقاد فقال: «تسألونني لماذا أومن بالعقاد في الشعر الحديث وأومن به وحده، وجوابي يسير جدا، لأنني أجد عند العقاد مالا أجده عند غيره من الشعراء... لأني حين أسمع شعر العقاد أو حين أخلو إلى شعر العقاد فإنما أسمع نفسي وأخلو إلى نفسي. وحين اسمع شعر العقاد إنما اسمع الحياة المصرية الحديثة وأتبين المستقبل الرائع للأدب العربي الحديث».
ثم أشاد طه حسين بقصائد العقاد ولا سيما قصيدة ترجمة شيطان التي يقول إنه لم يقرأ مثلها لشاعر في أوروبا القديمة وأوروبا الحديثة. ثم قال طه حسين في نهاية خطابه: «ضعوا لواء الشعر في يد العقاد وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء فقد رفعه لكم صاحبه».
نقد شعر العقاد:
يقول الدكتور جابر عصفور عن شعر العقاد: «فهو لم يكن من شعراء الوجدان الذين يؤمنون بأن الشعر تدفق تلقائي للانفعالات ... بل هو واحد من الأدباء الذين يفكرون فيما يكتبون، وقبل أن يكتبوه، ولذلك كانت كتاباته الأدبية "فيض العقول"... وكانت قصائده عملا عقلانيا صارما في بنائها الذي يكبح الوجدان ولا يطلق سراحه ليفيض على اللغة بلا ضابط أو إحكام، وكانت صفة الفيلسوف فيه ممتزجة بصفة الشاعر، فهو مبدع يفكر حين ينفعل، ويجعل انفعاله موضوعا لفكره، وهو يشعر بفكره ويجعل من شعره ميدانا للتأمل والتفكير في الحياة والأحياء».
ويقول زكي نجيب محمود في وصف شعر العقاد: «إن شعر العقاد هو البصر الموحي إلى البصيرة، والحس المحرك لقوة الخيال، والمحدود الذي ينتهي إلى اللا محدود، هذا هو شعر العقاد وهو الشعر العظيم كائنا من كان كاتبه... من حيث الشكل، شعر العقاد أقرب شيء إلى فن العمارة والنحت، فالقصيدة الكبرى من قصائده أقرب إلى هرم الجيزة أو معبدالكرنك منها إلى الزهرة أو جدول الماء، وتلك صفة الفن المصري الخالدة، فلو عرفت أن مصر قد تميزت في عالم الفن طوال عصور التاريخ بالنحت والعمارة عرفت أن في شعر العقاد الصلب القوي المتين جانبا يتصل اتصالا مباشرا بجذور الفن الأصيل في مصر».
كان ابن الرومي شاعراً كبيراً، متنوع الأغراض، فسيح الشعر، ثري الروح، متفرد الصوت الشعري. وكان التفوق الفني هاجسه الدائم، لأنه رد أمثل على وضعه الاجتماعي الذي يتناقض مع مكانته الشعرية، ومحاولة جادة لتبوّؤ المكانة اللائقة في عالم الشعر، ولا يتم ذلك إلا بالتفرد والتميز، ولذلك كان "التجديد" في شعره راية لفنه يطوف بها في شعاب "عبقر".
وعلى الرغم من أهمية ابن الرومي، فإنه لم ينل حظه من البحث لأسباب مختلفة، بعضها يتعلق بشخصيته الغريبة غير المحببة لمعاصريه، إذ كان ابن الرومي ناري اللسان، سريع الغضب والانقلاب. وبعضها يتعلق بظروفه الاجتماعية، فقد كان بعيداً عن بلاطات الخلفاء، يعيش بين عامة الشعب، يتلمس نبض حياتهم. وبعضها يعود إلى أن شعره لم يكن على شاكلة شعر أبي تمام الذي شغل الناس، ولا على نمط شعر البحتري، النقيض الفني لأبي تمام عند النقاد، وكان الصراع بين أنصار الشاعرين محتدماً، فلم يأبهوا لتيار ثالث هو تيار ابن الرومي، التيار الذي يحاول هذا البحث الكشف عن عناصره وسماته وخصائصه.
إن شعر ابن الرومي يثير جملة من القضايا الفنية، من خلال شبكة من العلاقات تنظم الحياة الداخلية لقصيدته، فالقارئ لشعره يحس دوماً بأنه أمام لحظة فنية متألقة، فهو ملاحق دوماً بفعاليات جمالية تثير فيه الانفعالات والمتعة الفنية، وتشحذ ذهنه بالتساؤل والمهارة العقلية، فيغدو شعر ابن الرومي عالماً خصيباً بالجدة والابتكار، ممرعاً بلغة تجسد روحه وفكره، وخيال يرسم حلمه ورؤيته للحياة.
وشعر ابن الرومي مشرع على الحياة بكل ما تزخر به من حركة وصخب وحزن وفرح ونعمى وبؤس، وهذه السمة كانت من الدوافع المهمة للتجديد في شعره، فقد عانق الحياة المتجددة الموارة بالحركة وانتمى إليها، فكان متجدداً مثلها متدفقاً كتدفق حياة بغداد مدينة العلم والثقافة والحضارة. ولأن ابن الرومي كان لاصقاً بالحياة كان شعره واضحاً سهلاً، لم يتهمه أحد بالغموض، وهذا ما يميز التجديد عنده من التجديد عند أبي تمام، وربما كانت هذه السهولة في شعره قد حجبت رؤية مظاهر التجديد فيه، وهنا يطرح شعر ابن الرومي قضية نقدية على قدر كبير من الأهمية، وهي أن الغموض ليس شرطاً لازماً للحداثة والتجديد. ولم تكن السهولة في شعر ابن الرومي مألوفة أو بسيطة، وإنما كانت نتاجاً لفاعلية فنية عالية المستوى، وهذا يقودنا إلى القول إن التطور والتجديد في شعر ابن الرومي يمتاز بأنه كان حياة القصيدة، في حين كان التجديد عند أبي تمام هدف القصيدة.
وقد كان ابن الرومي ذا رسالة إبداعية واضحة، واعياً لصنعته الفنية، يبوح بأسرارها أحياناً، ويكشف مواطن الجمال فيها أحياناً أخر، يتجلى ذلك في مدحه لقصيدته ووصف فعلها الساحر في خواتيم قصائده، كما يتجلى مثلاً في هجائه للبحتري وغيره من الشعراء، إذ نراه يتحول إلى ناقد فني، له نظريته النقدية الواضحة، وهذه ميزة فريدة يتمتع بها ابن الرومي لا نكاد نجد لها مثيلاً في الشمول عند غيره من الشعراء.
ومن هذه الأهمية التي يشغلها ابن الرومي في الحركة الشعرية، استمدت هذه الدراسة مسوغاتها ودوافعها، فقد أرادت أن تقدم شاعراً كان أحد أعلام التجديد في الشعر العباسي، تتلمذ على أبي تمام، ولكنه لم يلبث أن اختط طريقاً أخرى، سعت الدراسة إلى تحديد معالم هذه الطريق وكشف خباياها.
وكانت المادة الشعرية التي احتواها ديوان ابن الرومي غزيرة جداً (نحو ثلاثين ألف بيت) ومتشعبة في موضوعاتها ودلالاتها ووظائفها ومستوياتها، ومن أجل الإحاطة بها والوصول إلى تصور شامل عن كل جانب من جوانب البحث، اعتمدنا أسلوب الإحصاء وتحليل النتائج الإحصائية ودراستها واستنباط الأحكام وتعميمها.
وقد اعتمد البحث على مناهج نقدية متعددة في تحليل النصوص والظواهر، اتساقاً مع متطلبات البحث الأكاديمي، فهذه الدراسة هي في الأصل بحث أعد لنيل درجة الماجستير من جامعة دمشق، نوقش في العام ١٩٩١ ونال درجة الامتياز(*)، وقد قمنا ببعض التعديلات الطفيفة هنا وهناك، وخففنا الكثير من الأحكام اليقينية التي يتسم بها روح الشباب المتوثب، وأبقينا على المناهج التي اعتمدت، على الرغم من تغير موقفنا من بعضها بعد ما يقرب من عقدين، لأنه لا يمكن إغفال دور أي منهج علمي حتى لو تجاوزه الزمن، ما دمنا لا ندعي منهجاً متكاملاً بديلاً، لقصور ذاتي أولاً، ولأن أياً من المناهج الحديثة لم يكن كافياً وحده لتفسير الظواهر الأدبية والثقافية مهما ادعى أصحابه ذلك. فالمنهج التاريخي الاجتماعي أضاء لنا التأثير المتبادل بين إبداع ابن الرومي وواقعه الاجتماعي والسياسي، ومنهج التحليل النفسي فسر بعض الظواهر في شخصيته وأثرها في شعره، والمنهج البِنَوي حلل الظواهر الفنية في شعره، كذلك أسهم في اكتناه رؤيته للوجود والفن.
وشغل البحث أربعة أبواب، جاء الباب الأول (ابن الرومي وعصره) في ثلاثة فصول، تحدث الأول عن (حياة ابن الرومي) وألقى الضوء على أسرته وولادته وأصدقائه وخصومه وتلاميذه ومكانته وشهرته ووفاته وديوانه. وكان الفصل الثاني في (المكونات النفسية والفكرية والثقافية عند ابن الرومي)، وهي العناصر المؤثرة في التطور والتجديد في شعره، لأن شعره كان صورة صادقة لروحه المعذب الناقم، ولثقافته الثرة الخصبة المتنوعة. وكان الفصل الثالث في (موقف ابن الرومي السياسي والاجتماعي)، تناولنا فيه موقفه من الخلافة العباسية والمعارضة الممثلة في ثورة يحيى بن عمر وثورة الزنج مبنياً على تشيعه وعلى تكوينه النفسي ونزعته الحضارية.
وبعد أن اكتملت صورة ابن الرومي الإنسان الذي هيأته ظروفه الاجتماعية والنفسية والفكرية ليكون فناناً مجدداً، انتقل البحث إلى معالجة فنه الشعري، ليأتي الباب الثاني بعنوان "ابن الرومي بين التقليد والتجديد" في فصلين، أولهما "التجديد في الموضوعات التقليدية" كالمديح والعتاب، والرثاء، والهجاء، والغزل، ووصف الطبيعة، والزهد. أما الفصل الثاني فقد كان بعنوان "الموضوعات الجديدة"، وهي موضوعات ظهرت في العصر العباسي، وقد ابتكر ابن الرومي عدداً منها، كالمناظرات الشعرية، وفن رثاء المدن، والموضوعات الشعبية، غير أن أبرز موضوعاته الجديدة كان الهجاء الساخر الذي سميناه "السخرية السوداء".
واختص الباب الثالث بالتجديد في الشكل، فتعرض الفصل الأول منه (منهج القصيدة والوحدة العضوية في شعر ابن الرومي)، للإطار العام للقصيدة، ومقدمات القصائد، والوحدة الفنية العضوية. وتناول الفصل الثاني (الخيال والصورة في شعر ابن الرومي) طبيعة الخيال عنده ومنابعه وأثره، كذلك تناول الصورة الشعرية بنوعيها: الصورة العقلية والصورة الفنية، باسطاً البحث في بنية الصورة الفنية وأنماطها. أما الفصل الثالث (اللغة الشعرية عند ابن الرومي) فقد عالج السمات العامة للغته الشعرية، والعلاقات المجازية فيها، والتراكيب، والألفاظ، والعلاقات المعنوية والصوتية. وأما الفصل الرابع (الموسيقى الشعرية عند ابن الرومي) فبحث في الموسيقى الصوتية التي تشتمل على: البحور الشعرية، والقافية والروي، والترصيع، والتناغم الصوتي، والنبر. كذلك بحث في الموسيقى النفسية (الداخلية) وبيّن ارتباطها بعالم الشاعر النفسي وموضوعاته المختلفة.
وكان الباب الرابع (رؤية ابن الرومي للوجود والفن) في فصلين: الأول (رؤية ابن الرومي للوجود) تناول رؤيته لكل من الإنسان، والطبيعة، والزمن، والخير والشر، والموت والوجود الإنساني. والثاني (رؤية ابن الرومي للفن) تناول رؤيته المنبعثة من مركزية الشاعر وعلاقاته بالمتلقي والشعر، وألمّ بعدد من القضايا التي تتصل بهذه الرؤية مثل: منابع الإلهام، وقضايا الإبداع، ووظيفة الشعر.
وأجملت الخاتمة نتائج البحث، فأكدت ريادة ابن الرومي في عدد من القضايا الفنية.
وبعد، فإن هذه الدراسة المتواضعة التي جاءت بعد دراسات خطيرة لأعلام الثقافة العربية، مثل العقاد والنويهي والمازني وإيليا حاوي وآخرين، لتشعرنا بالتقصير، على الرغم من تأميلنا أنها أضافت إلى ما سبق، بل بالورطة الحقيقية، لأن التصدي لدراسة شاعر باتساع ابن الرومي مخاطرة كبيرة، فكل زاوية في شعره عالم فسيح قياساً على غيره من الشعراء كماً وكيفاً، يحتاج إلى غوص وتعمق وإعمال أدوات بحث ودراسة. والتنكب عنه مخاطرة أكبر لأن في ذلك إهمالاً لأهم فعالية فنية شهدها القرن الثالث الهجري، هي شعر ابن الرومي، بغض النظر عن حكم معاصريه أو معاصرينا، لأن لابن الرومي لغته التي تكاد لا تشبه لغة غيره، والتي ستظل مثار تساؤلات نقدية عبر الآتي من الزمن. ومن هذا الإحساس وهذا الاقتناع، فإن هذه الدراسة ستفتح لنا قبل غيرنا أبواباً أخرى للعبور إلى عالم ابن الرومي الشعري، العالم الذي تورطنا فيه... تورطاً جميلاً!
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
الكتب الإلكترونية هي مكملة وداعمة للكتب الورقية ولا تلغيه أبداً بضغطة زر يصل الكتاب الإلكتروني لأي شخص بأي مكان بالعالم.
قد يضعف نظرك بسبب توهج الشاشة، أدعم ناشر الكتاب بشراءك لكتابه الورقي الأصلي إذا تمكنت من الوصول له والحصول عليه فلا تتردد بشراءه.
أنشر كتابك الآن مجانا
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل
الملكية الفكرية محفوظة للمؤلفين المذكورين على الكتب والمكتبة غير مسئولة عن افكار المؤلفين
يتم نشر الكتب القديمة والمنسية التي أصبحت في الماضي للحفاظ على التراث العربي والإسلامي
، والكتب التي يتم قبول نشرها من قبل مؤلفيها.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنِّي من صنعه".