التحميل مجاناً لكن نقدم بعض الخدمات المدفوعة ادعمنا بالإشتراك فيها
حذف الإعلانات وتسريع تصفح المكتبة.
يبدأ التحميل بضغطة زر دون انتظار تجهيز الكتاب.
لا حدود لمرات التحميل.
يمكنك رفع كتب بلا حدود بالمكتبة.
تمكين القراء من تحميل كتبك دون إنتظار.
حذف الاعلانات على الكتب التي تنشرها.
لا مشاكل في روابط التحميل لكتبك المرفوعة.
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
| مؤلف: | Karima Houda |
| قسم: | المحاكم القضائية [تعديل] |
| اللغة: | العربية |
| الناشر: | دار النشر |
| ردمك ISBN: | 13 |
| تاريخ الإصدار: | 19 مايو 2022 |
| الصفحات: | 150 |
| ترتيب الشهرة: | 905,474 رقم 1 هو الأشهر ! |
| رابط مختصر: | نسخ |
| المزيد من الكتب مثل هذا الكتاب | |
الناشر والمؤلف
كتاب "بين عُقَدِ الغَدْرِ... وَنُورِ اليَقِينِ" .
هدى من الجزائر
كانت شمس الصباح تشرق على ساحة الجامعة العريقة، لتنعكس خيوطها الذهبية على أوراق شجر الدلب الكبيرة. وسط زحام الطلبة وصخب ضحكاتهم، كانت "لينا" تمشي بخطوات هادئة ومتزنة، تحمل محفظتها القماشية البسيطة وكراساتها بضم لافت، وكأنها تحمي أحلامها من ضياع محتم. كانت فتاة تفرض احترامها على الجميع؛ عباءتها الأنيقة المنسدلة، وخمارها الوردي الهادئ، وعيناها اللتان لا تلتفتان يميناً ولا شمالاً، جعلتا منها "أيقونة" للطهر في تلك الحرم الجامعي.
على بعد أمتار قليلة، كان يجلس "ياسين" على غطاء سيارته الرياضية الفاخرة، يحيط به شلة من الأصدقاء الذين يقتاتون على فتات ماله وغروره. كان ياسين يمثل النموذج الصارخ للشخصية النرجسية؛ يظن أن وسامته، ومال والده، وعطره الفرنسي الفواح كافية لتركيع أي امرأة تحت قدميه. كان ينظر إلى الفتيات كأرقام في قائمة انتصاراته اليومية. لكن، منذ دخول لينا للجامعة، صارت هي العقدة التي تؤرق مضجعه. كانت تمر أمامه يومياً وكأنه قطعة من جدار، لا تمنحه حتى التفاتة عابرة. هذا الترفع جرح كبرياءه المتضخم، وتحول اهتمامه بها إلى هوس مريض.. هوس بالسيطرة والكسر.
في ذلك اليوم، قرر أن يتحرك. رمى سيجارته على الأرض، وسحقها بنعل حذائه الإيطالي الفاخر، ثم مشى نحوها بابتسامه ثعلبية يرسمها على شفتيه، وسط غمزات أصدقائه الذين يراقبون الرهان.
ياسين (يقفز قدامها فجأة ويحط سورت الطوموبيل في يدها ويتبسم بثقة): "صباح الخير والورد على زين الجامعة.. واش راكي يا لينا؟ شفتك السمانة هادي قاع مقلقة ومزيّرة مع القراية والملخصات. هاني هنا، واش سحقيتي قولي لي برك، طوموبيلتي ودرهمي وقاع واش عندي راهو تحت أمر هاد العينين الكبار."
لينا (تتوقف، ترجع خطوة للوراء، وتشوف فيه بنظرة باردة تخترق غروره): "بلا مزيتك ياسين، صحيت. راني نقرا وحدي والحمد لله ربي مغنيني وما يخصني والو من عندك."
ياسين (وجها يحمار وتتبدل ملامحه، بصح يحاول يحافظ على بروده): "علاش راكي قاسية وصعيبة هكذا يا بنت الناس؟ أنا مانيش نتمسخر بيك كيما لبنات لخرين.. أنا راني حاب نتقدم لداركم نهار تكملي، وراني شاري الحلال وحاب نديرلك عيشة قاع النسا يحسدوك عليها."
لينا (تعدل خمارها وتشوف فيه بصرامة وعزة نفس تزعزع كيانه): "اسمعني مليح يا ياسين.. أنا قرايتي ومستقبلي هما الساس في حياتي درك. ومسائل كيما الزواج والخطبة، الراجل بالصح يروح يهدرها مع بابا عمي محمود في الدار ويدخل من الباب، ماشي يشد طفلة في وسط الساحة ويهدر معاها هكذا. عن إذنك، عندي كور."
استدارت لينا ومشيت بخطوات أسرع، تاركة ياسين واقفاً في وسط الساحة، وعيون الطلبة تلاحقه بابتسامات ساخرة خفية. كانت تلك الصفعة الأولى التي يتلقاها غروره النرجسي في حياته. شعر بنار تشتعل في صدره، وقبض على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله. في تلك اللحظة بالذات، مات شيء اسمه "إعجاب" في قلب ياسين، وولدت أفعى "الانتقام". أقسم في نفسه أن يمرغ أنف هذه الفتاة في التراب، وأن يراها باكية مستسلمة تترجاه.
وزاد غله وحقده أضعافاً مضاعفة بعد مرور أشهر قليلة، عندما علم أن لينا خُطبت لـ "آدم"؛ ابن حومتها، الشاب الشهم، صاحب الابتسامة الصادقة والرجولة الحقيقية التي لا تُباع بالمال. كان آدم يعمل في شركة مقاولات صغيرة، ورغم بساطة حاله، كان محبوباً من الجميع ومحترماً. عندما رأى ياسين فرحة لينا وهي تمشي مع خطيبها آدم في شوارع الحومة، قرر أن يتحالف مع الشيطان ليدمر هذا الصفاء.
لم يكن ياسين يملك الصبر، لكنه كان يملك الخبث. بدأ يبحث عن نقطة ضعف في عائلة آدم، فوجدها في "سارة"، ابنة خالة آدم. سارة كانت فتاة نرجسية من طراز آخر؛ كانت ترى في آدم ملكيتها الخاصة منذ الصغر، وتظن أن جمالها المتصنع يمنحها الحق في الاستحواذ عليه. عندما خطب لينا، أصيبت سارة بجنون الغيرة، وأصبحت تعيش على الحبوب المهدئة والدموع المسمومة.
التقى الشيطانان في مقهى منزوٍ على أطراف المدينة، بعيداً عن ألسنة الحومة. كان الطقس غائماً، والظلام يزحف على المكان، تماماً كالظلام الذي كان ينسج في قلوبهما.
ياسين (يدور في كاس القهوة تاعه بنظرة شريرة): "شفتي يا سارة؟ آدم خلاص ولى ما يشوفش قاع قدامه.. السمانة الجاية يكتب عليها ويديروا العرس، وتدي هي كلش وتضحك علينا في وسط الحومة. وأنا لينا هذيك دارتلي الرهج والذل في راسي، لازم تخلص الثمن غالي."
سارة (تخبط الطاولة بظافرها المصبوغة باللون الأحمر الدموي وبغل كبير): "والله ما تدي حاجة من ريحته! آدم ليا أنا من صغري.. هاديك البنت المسكينة المتبهدلة سحرتلو عقله، باينة دايرتلو عفسة خلاته ينسى بنت خالته اللي تمنوها الرجال. واش رايك نديرولهم حاجة تفرقهم قاع الدنيا و نخلوا آدم يكره النهار اللي شافها فيه؟"
ياسين (يتبسم ابتسامة خبيثة ويقرب منها): "أنا عندي المعرفة والدار الكبيرة في هاد الصوالح.. كاين واحد العجوزة يدوها تصيب ويخافوها قاع الناس، تسكن في هديك القرية المهدومة القديمة وراء الجبل.. تخدم بدم الغدر والعُقد الميتة. بصح لازمنا أثر حقيقي من عند آدم ومن عند لينا باش الخدمة تشد وماتطيرش.. تقدري تجيبيهم؟"
سارة (بنظرة ماكرة): "هادي ساهلة ما تخافش.. خالتي زليخة (يما آدم) راهي معايا، وراهي ميتة بالخوف على وليدها لا تديه هاديك الطفلة وتنسيه في يماه. قش آدم راهو عندي في الدار، ولينا غدوة نروح للمكتبة نتمسخر بلي راني نحوس على كتاب، ونجيب خيط من خمارها ولا أثر من يدها بلا ما تفيق.. نهار السبت نكونوا عند العجوزة."
وفي ليلة السبت، عندما كان المطر ينهمر بغزارة والرعد يزلزل السماء، سارت سيارة ياسين في تلك المسالك الترابية الوعرة المؤدية إلى القرية المهجورة. دخلت سارة وياسين، ومعهما "خالتي زليخة" التي أعماها جهلها وخوفها المرضي من أن تفقد ابنها لصالح زوجته. دخلوا إلى كوخ العجوزة الشمطاء "زوهرة".
كان الكوخ يفوح برائحة المسك الفاسد، والبخور الخانق الذي يزكم الأنوف. الشموع السوداء كانت تضيء زوايا المكان لتكشف عن جلود حيوانات ميتة وطلاسم مكتوبة بدم داكن. جلست الشمطاء على الأرض، وعيناها البيضاوان من كبر السن والشر تلمعان بالخبث. أخذت أثر آدم (قميصه) وأثر لينا، وبدأت تعقد خيوطاً صوفية سوداء.. عُقدة وراء عُقدة، وهي تتلو طلاسم كفرية مسمومة بصوت مبحوح يقشعر له البدن.
"عقدتُ قلب آدم فلا يرى فيها إلا السواد.. وعقدتُ جسده فلا يطيق لها لمساً.. وعقدتُ عقل زليخة فلا ترى في لينا إلا شيطاناً.. سبع عقد بدم الغدر لا يفكها إلا الموت."
كانت سارة تبتسم بنشوة الانتصام، وياسين يضحك في سره، بينما خالتي زليخة كانت ترتجف من الخوف، دون أن تدري أنها بجهلها هذا، تمضي على وثيقة إعدام ابنها الوحيد.
لم تمر سوى ثلاثة أيام حتى بدأت مفعول العُقد الأسود يظهر على آدم. دفت سارة السحر "المرشوش والمأكول" في فنجان قهوة قدمته لآدم عندما زار بيت خالته.
في اليوم الموالي، استيقظ آدم وهو يشعر بثقل غريب في أطرافه، كأن قيداً من حديد يربط رجليه بالأرض. أصابه صداع نصفي قاتل، كان يشعر وكأن مسامير من نار تُدق في جمجمته. تحول وجهه المشرق الأسمر إلى شحوب مرعب يميل إلى الخضرة، وغارت عيناه وتحوطتا بسواد داكن كالموتى. والأخطر من ذلك كله، أنه كلما تذكر اسم "لينا" أو رأى صورتها، كان يصاب باختناق حاد ورغبة في القيء، ويتحول حبه لها في ثانية إلى غل وغضب غير مبرر.
استغل ياسين هذا الاختفاء والانهيار لآدم، وبدأ ينشر في الحومة عبر أتباعه إشاعات مسمومة بأن "لينا" طفلة خفيفة، وأن آدم اكتشف خيانتها ولهذا أصيب بالصدمة وتركها. أصبحت ألسنة الجيران لا ترحم، ونظرات الاحتقار تلاحق لينا وعائلتها في كل مكان.
لينا (تتلاقى بآدم وهو خارج من دارهم بالسيف، وجهه صفر وعينيه مغيبين. تبكي وتشد في يده الباردة كي الثلج): "آدم.. على وجه ربي العزيز هدر معايا! واش صرالك يا عمري؟ البارح برك كنت تقولي أنتِ روحي وحياتي، واليوم راك تتهرب مني وما تردش على التيليفون؟ شوف فيا.. راني لينا حبيبتك!"
آدم (عينيه يحماروا وصوته يتبدل و يولي واعر وخشن بفعل السحر اللي راهو ينطق فيه): "انحي يدك عليا! ابعدي عليا يا سحارة يا وجه النحس! ريحتك قتلتني وتخنقني.. كرهت النهار اللي شفتك فيه وكرهت اسمك! ما تزيديش تتبعي فيّ ولا توريلي وجهك المقزز، أنتِ وحدة خفيفة والحومة قاع راهي تهدر عليك!"
ياسين (يظهر فجأة من وراء الزاوية بعد ما دزه آدم ومشى وهو يترنح، يتقرب من لينا ويمسح دموع التماسيح): "شفتي يا لينا؟ أنا من زمان وأنا نحذرك من آدم.. آدم غدار وراهو في علاقة مع سارة بنت خالته، وراهو يتمسخر بيك وقدام الناس يسب فيك. اسمعي مني، أنا الراجل اللي يثمنك.. أنا نستر عليك ونديك ونخرجك من هاد الحومة العفنة اللي راهي توسخ في شرفك يوميا.. ارمي عليك هاد الميت وأنا راني هنا نعيشك ملكة."
لينا (تمسح دموعها بقوة وعزة نفس، وتدز يد ياسين بغضب): "اسمعني مليح يا ياسين! أنا شرفي مرفوع للسماء وما تسحقش أنت ولا غيرك تستر عليا! وآدم اللي راني نعرفه ماشي هو هاد الشخص اللي راهو يهدر درك.. كاين حاجة كبيرة ورا هاد التبدال، وأنا مانيش الطفلة اللي تبيع حبها وشرفها في أول طيحة! ابعد عليا ولا نلم عليك قاع الزنقة درك!"
دخلت الرواية منعرجاً مأساوياً عندما انهار جسد آدم تماماً؛ لم يعد الأمر مجرد نفور عاطفي، بل تحول السحر المأكول والمشروب إلى سموم حقيقية فتكت بجهازه الهضمي والعصبي. نُقل آدم على جناح السرعة إلى مستشفى المدينة، حيث وضعه الأطباء في غرفة العناية المركزة، عاجزين عن تشخيص حالته. الأجهزة الطبية كانت تصدر رنينها الرتيب، والتحاليل تظهر سليمة، لكن جسده كان يذوب كالشمعة؛ تارة يصاب بنوبات صرع يرتجف فيها بشدة، وتارة يدخل في غيبوبة عميقة ينطق فيها بكلمات مبهمة مخيفة.
عند باب الغرفة، كانت "خالتي زليخة" تبكي بحرقة، تضرب صدرها ندماً وهي ترى ابنها الوحيد يموت بين يديها. وبجانبها كانت "سارة" تتصنع البكاء، لكن عينيها النرجسيتين كانتا تبحثان عن طريقة تضمن بها موت آدم أو نسيانه للينا نهائياً إذا شفي. وفي تلك الأثناء، كانت "لينا" تراقبهما من بعيد، من وراء زجاج الممر، والدموع تحرق جفنيها، منبوذة من الجميع، لكن قلبها المليء بالإيمان كان يهمس لها أن هناك مؤامرة تُحاك في الخفاء.
خالتي زليخة (تبكي وتخبط على فخاذها): "آآه يا وليدي يا آدم.. واش صرالك يا كبدتي؟ البارح كنت كي السبع واليوم راك مرمي بين الخيوط والسبيطارات.. يا سارة بنتي، باينة هاديك لينا هي اللي سحراته باش تخليه يتبعها، ربي وكيلها!"
سارة (تقرب منها وتمسح لها دموعها بخبث): "خلاص يا خالتي زليخة اهدئي، الطبيب قال لازم له الراحة. هاديك السحارة لينا باينة دارتله حاجة قوية باه تدمرله حياته ملي رفضها ياسين.. ربي راهو يخلص فيها، شوفي الحومة قاع راهي تهدر على شرفها درك، واحد ما بقا يحترمها."
لينا (تتقدم بخطوات ثابتة رغم حزنها، وتوقف قدامهم كالجبل): "حبسوا عندكم! بركاو ما تظلموا فيا وفي شرفي! أنا خاطيني السحر، وأنتم قاع راكم عارفين هاد الشي.. يا خالتي زليخة، وليدك راهو يموت بسبب الجهل والناس اللي راهم يدوروا بيه ويوسوسوا لك في راسك. آدم راهو مسحور بالصح، بصح الساحر راهو قاعد معاك درك ويواسي فيك!"
سارة (تصرخ بوجه أحمر وعروق نافرة): "اخرجي عليا من هنا يا السحارة! أنتِ اللي حابة تقتلي ولد خالتي! خرّجوها عليا يا الممرضين لا نلم عليها السبيطار درك!"
طُردت لينا من المستشفى، وعادت لبيتها والدموع تخنقها. دخلت غرفتها وسجدت لله سجدة طويلة، تبكي وتتضرع وتطلب النصرة من رب العباد. وفي تلك الليلة، زارتها جارتها العجوز "خالتي فاطمة"، امرأة طيبة من أهل الله، وقالت لها في سرية تامة: "يا ابنتي لينا، لقد رأيت سارة وياسين بعيني يدخلان كوخ الساحرة زوهرة في الليلة المطيرة الماضية. آدم يموت بسحرهم، ولا يملكه دواء في المستشفيات.. دواءه في كتاب الله. اذهبي إلى أعالي جبال جرجرة، هناك يعيش الشيخ المبروك، رجل صالح تخر له الشياطين ساجدة بإذن الله".
لم تتردد لينا لثانية واحدة. حزمت حقيبتها الصغيرة، ولم تخبر أحداً سوى والدها "عمي محمود" الذي وثق في طهر ابنتها وبارك خطوتها وقال لها: "اذهبي يا ابنتي، وربي يكون معاك، شرفك هو شرفي واليقين لا ينهزم".
بدأت الرحلة الشاقة. صعدت لينا الجبال في طقس عاصف، كانت الثلوج تغطي المنحدرات الوعرة، والبرد القارس يمزق جسدها النحيل. تعثرت وسقطت مراراً، وجُرحت يداها وسالت دماؤها على الثلج الأبيض، لكن صورت آدم وهو يحتضر في المستشفى كانت تمدها بقوة خارقة. مشت لساعات طوال حتى بدأت قواها تنهار، وقبل أن يغمى عليها وسط الثلوج، لمحت كوخاً صغيراً ينبعث منه نور دافئ ورائحة حطب مشتعل.. إنه كوخ الشيخ المبروك.
الشيخ المبروك (يفتح الباب، لابس قشابية من الصوف الأبيض، ووجهه يضوي بالصلاح): "يا فتاح يا عليم.. ادخلي يا بنتي ادخلي، سبحان الله! واش جابك لهاد الخلا والثلج في هاد الليل؟ راكي ترجفي كي السعفة."
لينا (طيح على ركبتيها والتعب هادّها، وتبكي بحرقة): "يا الشيخ المبروك.. جيتك من بعيد، جيتك وطامعة في ربي وفي القرآن اللي في صدرك. خطيبي آدم راهو يموت في السبيطار، سحروه بدم الغدر والعُقد الميتة وظلموني معاه وقاع الناس رجعوني أنا المذنبة وباعوا في شرفي.. عاوني يرحم والديك، ماليش غير ربي."
الشيخ المبروك (يبتسم بهدوء ويحط لها كاس تيزانة دافئ): "يا بنتي، يا زهرة الصبر، اهدئي. السحر هذا خيط من خيوط الشيطان الضعيفة، قال تعالى: 'إن كيد الشيطان كان ضعيفاً'. اليقين في الله يهد الجبال الوعرة اللي جزتي عليها درك. قولي لي، هل قدرتي تجيبي كاش أثر من عنده باه نعرفوا واش داروا له؟"
لينا (تجبد خيط صوف أسود لقاته طايح في شومبرة آدم): "هذا الخيط لقيته طايح تحت سريره نهار مرض.. باينة طاح من عندهم بلا ما يفيقوا."
أخذ الشيخ المبروك خيط الصوف الأسود، وتأمله بنظرة خبيرة، ثم وضعه في إناء فيه ماء مرقي بالقرآن. جلس على مصلاه، وطلب من لينا أن تجلس بجانبه وتضع يدها على الإناء وتقرأ آية الكرسي بنية الشفاء والإبطال.
بدأ الشيخ يتلو القرآن بصوت ندي قوي، صوت كان يزلزل أركان الكوخ الصغير. كان يقرأ آيات السحر من سورة الأعراف ويونس وطه. ومع كل آية يرتلها، كان الماء في الإناء يبدأ بالغليان وكأنه فوق نار حامية، والخيط الأسود يلتوي كأفعى تحتضر.
وفي تلك الثواني بالذات، وعلى بعد كيلومترات في مستشفى المدينة، حدث زلزال نفسي وجسدي. استيقظ آدم فجأة من غيبوبته، وصرخ صرخة قوية هزت جدران المستشفى، صرخة خرجت من أعماق روحه وكأن قيداً ثقيلاً تحطم داخل صدره. تصبب عرقاً غزيراً بارداً، وانفتحت عيناه ليعود إليهما نورهما الطبيعي الشهم، ونطق بأعلى صوته: "لييييناااا!".
وفي نفس اللحظة، في بيت خالته، كانت "سارة" تجلس أمام مرآتها تتزين، فجأة سقطت أرضاً وهي تصرخ وتتخبط، بدأت رغوة بيضاء تخرج من فمها، وعيناها دارتا للوراء؛ لقد ارتد السحر على الساحر في نفس الثانية التي بطلت فيها العُقد. تداخلت عقول سارة، وصارت تضحك وتبكي بهستيرية، وتتحدث مع الجدران وتستغيث من أشكال مرعبة تراها وحدها.. لقد فقدت عقلها للأبد لتدخل مستشفى الأمراض العقلية بجدارة.
خرج آدم من المستشفى في اليوم الموالي بكامل صحته وعافيته، وكأن مرضاً لم يمسه قط. علم بكل ما حدث، وعلم بالتضحية الأسطورية التي قامت بها لينا وصعودها للجبل من أجله. شعر بندم قاتل لأنه ظلمها بفعل السحر، وقرر أن يكون رده زلزالاً يخرس كل ألسنة الحومة.
في يوم الجمعة، جمع آدم كل كبار الحومة وشبابها، وتقدم مشياً على الأقدام نحو بيت عمي محمود. وقف في وسط ساحة الحومة، وأمسك بالميكروفون أمام الملأ ليعلن الحقيقة.
آدم (بصوت قوي يهز الزقاق، وهو شاد يد لينا ومرفوع الرأس وعينيه يلمعوا بالفخر): "يا ناس الحومة العتيقة، اسمعوني مليح واش راح نقول اليوم! اشهدوا قاع قدام ربي والعباد باللي لينا هي الطهر والشرف، وهي اللي خاطرت بحياتها وطلعت للجبل في وسط الثلج باش تسلكني من الموت والسحر تاع سارة وياسين. الناس اللي هدروا في عرضها يروحوا درك يستغفروا ربي.. وسارة راهي في سبيطار المهابل وياسين راهو هارب كي الكلب والعدالة تدي حقها. واليوم.. اليوم عرسنا وقاع الحومة معروضة تفرح بانتصار الحق!"
خالتي زليخة (تبكي بحرقة وندم وتطيح على يد لينا تبوسها قدام النسا): "سامحيني يا بنتي.. جهلي ووسواس سارة عماولي عيني، بغيت نقتل وليدي بيدي وأنتِ اللي سلكتيه بقرآن ربي وبحبك.. أنتِ هي سلطانة هاد الدار من اليوم ورايح وكلمتك هي المسموعة."
وكان العرس ملحمة تاريخية لم تشهد الحومة مثلها. صُبت الخيام التقليدية، واجتمعت النسوة يزغردن بزغاريد تصدح في السماء. ظهرت لينا كالملكة المنتصرة؛ تصدّرت بـ "الكاراكو العاصمي" الملكي المرصع بالخيوط الذهبية، وعلى جبينها "خيط الروح" يبرق كنور يقينها الطاهر. ثم لبست "الشدة التلمسانية" الأنيقة التي خطفت أنفاس الحاضرين بوقارها وهيبتها.
وفي لحظة خروجها، تقدم نحوها آدم لابسًا "البرنوس الوبري الأبيض" الفاخر، وضعه على كتفيها بحنان وعيناه تدمعان فرحاً، ثم قبل رأسها أمام والدها "عمي محمود" الذي رفع رأسه للسماء وقال: "الحمد لله الذي نصر المظلوم". خرج الموكب (الكورتيج) وجاب شوارع المدينة بصوت المنبهات والفرحة.
وعند زاوية مظلمة بالقرب من قاعة الاحتفال، كان "ياسين" يقف وحيداً، منبوذاً، النرجسية المتضخمة في داخله تحطمت وتفتتت كالغبار وهو يرى الملكة التي حاول كسرها وتدنيس شرفها تصعد في سيارة آدم كالسلطانة، بينما هو ملاحق من العدالة بتهمة التحريض والمشاركة في السحر، ومحتقر من كل شباب الحومة الذين طردوه وبصقوا في وجهه، ليعيش ما تبقى من عمره ذليلاً، منبوذاً، يحمل عاره في عينه.
بعد انقضاء ليلة العمر الصاخبة بالبهجة، جلس آدم ولينا في شرفة بيتهما الجديد المطل على أضواء المدينة الساكنة تحت النجوم. كان نسيم الليل يداعب وجهيهما، ورائحة الياسمين المنبعثة من الحديقة تعبق في الأرجاء. وضع آدم برنوسه الأبيض على كتفي لينا ليحميها من برودة الليل، وجلس بجانبها ممسكاً يدها المحناة برفق. ساد صمت طويل، لكنه كان صمتاً مقدساً، صمتاً ينطق بالراحة والسكينة بعد عاصفة هوجاء كادت تعصف بحياتهما.
لينا (تتنهد براحة وتشوف في النجوم وعينيها مغرورقين بدموع الفرح): "آدم.. سبحان الله كيفاش ربي فرجها علينا بعد كاع هاديك الظلمة. درك راني قاعدة هنا ومعاك، ومتأكدة باللي السحر ما كانش هو عدونا الوحيد في هاد الحكاية.. الخوف تاعنا، والسكوت على الحق، والوسواس اللي خليناه يدخل لبيوتنا بسب الجهل هو اللي فتح الباب للشر وسارة وياسين باش يدمرونا."
آدم (يجبدها ليه ويقبل يدها المحناة ويشوف في عينيها بنضج كبير): "عندك الحق يا سلطانتي، ويا زهرة قلبي. هاد البلاء كان مر وصعيب بزاف، بصح كان درس من عند ربي. علمني باللي الحب الحقيقي ماشي غير كلام زوين وشعور برك، الحب موقف، وتضحية، ومسؤولية، وحصن لازم نحموه بالوضوح والصدق. الصدق بيناتنا هو الترياق الوحيد اللي يقتل كاع سموم البشر وسحرهم. من اليوم، قلوبنا مغلوقة بالإيمان واليقين، وواحد في هاد الدنيا ما يملك القدرة يدخل بيناتنا."
استمرت أجواء الفرح في ساحة الحومة العتيقة، وكانت نغمات الزرنة العاصمية تدوي في الأرجاء، تصاحبها ضربات الدربوكة الإيقاعية التي هزت جدران البيوت القديمة. لم يكن مجرد عرس، بل كان "محاكمة اجتماعية علنية" غُسلت فيها سمعة لينا بماء الذهب. النسوة اللواتي طالما نقلن الإشاعات، كن يجلسن في زوايا الخيمة الكبيرة يعضضن أصابعهن ندماً وخجلاً، وهن يرين والدة آدم "خالتي زليخة" لا تفارق يد لينا، وتخدم ضيوف ابنتها الجديدة بنفسها.
وفي وسط القاعة، جُهزت "المنصة الملكية" (الكوشة) المزينة بالساتان الأبيض والورود الطبيعية الفواحة برائحة الياسمين. تداول أهالي الحومة على تقديم التبريكات، وكان "عمي محمود" يقف عند الباب يستقبل المهنئين وعيناه تلمعان بدموع العزة؛ فكل رجل يدخل يشد على يده ويقول: "تربيتك هي اللي سلكت آدم، وبنتك بطلة الحومة".
خالتي فاطمة الجارة (تزغرد زغروتة طويلة وتدور بلينا): "يا ليل يا عين.. شوفوا السلطانة تاعنا واش زينة واش طاهرة! ربي نصرك يا بنتي قدام الشامتين، واليوم الحومة قاع راهي تطأطأ راسها قدام شرفك."
لينا (تبتسم من وراء خمارها وتشوف في آدم): "الحمد لله يا خالتي فاطمة.. ربي حنين وكريم، والشدة سُبحان الله جازت وولّت حكاية نستعرفوا بيها باللي الحق ما يموتش."
آدم (يقرب من لينا ويوشوش لها في أذنها والناس تصفق): "شوفي قاع الناس كيفاش راهم يشوفوا فيك يا لينا.. درك راكي الملكة تاع هاد الحومة، والكلب ياسين راهو بايت في الظلمة يبكي على غلاطه.. هاد الليلة ليلتك يا زهرة قلبي."
حان وقت التغيير، ووفقاً للعادات الجزائري الأصيلة، دخلت لينا لتغيير لباسها وارتداء "الشدة التلمسانية" الثقيلة الهيبة. خرجت بخطوات بطيئة متزنة (التحويكة)، يحيط بها عبير البخور التلمساني، والتاج المرصع بالجوهر والذهب (التاج والجبين) يرتفع فوق رأسها بكبرياء، وقلائد "الجوهر" السبعة تغطي صدرها كدروع النصر. كانت تمشي بوقار مذهل خطف أنفاس النساء اللواتي صرخن بالزغاريد.
وعندما حان وقت "الحنة"، تقدم آدم بلباسه التقليدي، وجلس بجانبها. وضعت القابلة (الماشطة) قطعة الحرير الأبيض في يد لينا، وخلطت الحناء بماء الورد الفواح، وبدأت خالتي زليخة بوضع الحناء في كف كنتها وهي تقرأ الفاتحة وتدعو لهما بالذرية الصالح والبركة، متبوعة بزغاريد دوت حتى سمعها أهل الحومات المجاورة.
في الصباح الموالي للعرس، ووفقاً للتقاليد، وضعت لينا "المحزمة" الحريرية وخرجت لتستقبل عائلتها وعائلة زوجها في أول يوم لها كربّة بيت. كانت الحومة لا تزال تعيش صدمة الأحداث؛ فالعدالة كانت سريعة، وأخبار سارة في المستشفى وياسين في السجن أصبحت الدرس الذي يتحدث عنه الجميع في المقاهي والمجالس.
بينما كانت لينا وآدم يرتبان الهدايا في صالون البيت، طُرق الباب. فتح آدم ليجد والد ياسين (عمي السعيد المقاول) واقفاً عند الباب، مكسور الخاطر، منطفئ العينين، يحمل حقيبة صغيرة. لم يعد ذلك الرجل الغني المتكبر، بل صار أباً هده العار والذنب بسبب تربيته الخاطئة لابنه النرجسي.
عمي السعيد (والد ياسين، وصوته يرجف بالخجل وعينيه في الأرض): "يا وليدي آدم.. يا بنتي لينا.. جيتكم اليوم ودموعي في عينيا. ولدي ياسين دار الذنب الكبير وعمى عينيه الطمع والشر، وراهو يخلص في السجن ودا حقو.. بصح أنا جيت نطلب منكم السماح، شرفكم طاهر وما حبيتش نعيش و راسي هابط في الحومة. هاد الأمانة (يمد الحقيبة) فيها وثائق تاع شقة ملك للينا كتعويض.. ربي يستركم اطلبوا له الهداية برك."
آدم (يضع يده على كتف عمي السعيد بحكمة ورجولة): "يا عمي السعيد، أنت راجل طيب وقاع الحومة تعرف صلاحك، والعبد ما يرفدش ذنب ولده.. ياسين دار الجناية والعدالة تدي مجراها، وبخصوص الشقة، ربي مغنينا بقناعتنا ورزقنا الحلال.. إحنا مسامحينك ليك أنت بالذات، وربي يصبرك على بلاء ولدك."
لينا (تتقدم وتحط كاس ماء لعمي السعيد): "ادخل ارتاح يا عمي السعيد.. إحنا ما نحملوش الحقد، وياسين ربي هو اللي حاسبه ورجع لنا حقنا.. ارفع راسك أنت خاطيك."
مرت الأسابيع والأشهر، وهدأت العاصفة تماماً، وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي في الحومة العتيقة. أصبح بيت آدم ولينا نموذجاً يُضرب به المثل في الصدق والوضوح؛ لم يعودا يسمحان لأي غريب أو واشٍ أن يدخل بينهما بكلمة، وتعلمت خالتي زليخة أن "الكنّة" الصالحة هي الحصن الحقيقي للعائلة وليست عدواً يسلب الأبناء.
وفي ليلة هادئة من ليالي الصيف، حيث كانت النجوم تملأ السماء، جلس آدم ولينا في شرفة بيتهما يتناولان الشاي بنكهة النعناع الجزائري المنعش. وضع آدم برنوسه الوبري على كتفي لينا ليحميها من النسيم، ممسكاً يدها التي تلمع بخاتم الزواج.
لينا (تتنهد براحة وتشوف في الأفق البعيد): "آدم.. سبحان الله كيفاش ربي فرجها علينا بعد كاع هاديك الظلمة والوجع. درك راني قاعدة هنا معاك ومانيش مأمنة.. هاد البلاء علمني باللي السحر والعُقد الميتة ما كانوش هما العدو الوحيد لينا.. الخوف تاعنا، والسكوت على الحق، والوسواس والجهل اللي خليناه يدخل لبيوتنا هو اللي فتح الباب للشر وسارة وياسين باش يدمروا حياتنا."
آدم (يقرب منها، يضمها لصدره ويقبل جبينها بنضج كبير): "عندك الحق يا زهرة قلبي ويا سلطانتي. هاد البلاء كان صعيب ومر بزاف، بصح كان درس وعبرة كبيرة من عند ربي. علمني باللي الحب الحقيقي ماشي غير كلمات معسولة وشعور عابر، الحب موقف، وتضحية، وصبر على البلاء، ومسؤولية كبيرة وحصن لازم نحموه بالوضوح التام والصدق. الصدق واليقين في ربي بيناتنا هما الترياق الوحيد اللي يقتل كاع سموم البشر وسحرهم وقادري يهدوا جبال الغدر. من اليوم، قلوبنا وبيتنا مغلوقين بالإيمان، وواحد في هاد الدنيا ما يملك القدرة يوسوس لنا ولا يدخل بيناتنا."
مرت الأسابيع الأولى بعد العرس، وبدأت الإجراءات القانونية تأخذ مجراها الرسمي والبلاد تتحدث عن القضية. لم تكن المحاكمة مجرد قضية عادية، بل تحولت إلى رأي عام في العاصمة، حيث تدافع المحامون والصحفيون لتغطية محاكمة "ياسين"؛ ابن المقاول الشهير الذي ظن أن نفوذ والده وسياراته الفاخرة ستحميه من الملاحقة القضائية.
جاء يوم الجلسة الأولى في محكمة الجنايات الكبرى. كانت القاعة غاصة بالحضور من أهل الحومة وزملائهما من الجامعة. دخل ياسين قاعة المحكمة مصفد اليدين، لابسًا قميص السجن الأزرق، وقد زال عنه كل ذلك البريق النرجسي المصطنع؛ كان شعره مبعثراً، ووجهه شاحباً، وعيناه زائغتين يملؤهما الرعب وهو ينظر إلى قفص الاتهام. وعلى الجانب الآخر، كان يجلس آدم ببرنسه وبجانبه لينا، يحيط بهما وقار الحق واليقين.
القاضي (يخبط بالمطرقة ويشوف في الأوراق): "نفتتح الجلسة رقم 144 المتعلقة بتهمة التآمر الجنائي، والمساس بالسلامة الجسدية للمواطن آدم، والاستعانة بطرق غير قانونية وشعوذة لالحاق الضرر.. المتهم ياسين، هل تقر بما نُسب إليك بناءً على اعترافات المتهمة الثانية سارة والشهود؟"
ياسين (بصوت يرجف وراسه هابط للأرض): "يا سيدي القاضي.. أنا غطوني وغواوني.. سارة هي اللي وسوست لي وقالت لي آدم راهو حاقرنا.. أنا ما كنتش حاب نقتله، كنت حاب برك نفرق بينه وبين لينا باه نرجع اعتباري قدام الطلبة في الجامعة.. اسمحوا لي، أنا غلطت وغواني الشيطان والمال تاع بابا."
المحامي مراد (يقف ويوجه كلامه للقاضي بقوة): "سيدي القاضي، المتهم ياسين ليس ضحية، بل هو المحرك الأساسي لهاد الجريمة. هو من وفر المال، وهو من تنقل ليلاً إلى القرية المهجورة، وهو من قام بدفن العُقد السحرية في المقبرة لضمان موت الضحية ببطء. لدينا تقارير طبية تثبت أن الضحية آدم شارف على الموت الحقيقي في المستشفى بسبب هذه الأفعال الممنوعة قانوناً وشرعاً. نطلب تطبيق أقصى العقوبات لتكون عبرة لكل من تسول له نفسه تدمير العائلات."
استمرت المداولات لساعات طويلة، تخللها عرض الأدلة الجنائية واعترافات الساحرة الشمطاء زوهرة التي ألقت الشرطة القبض عليها في كوخها وراء الجبل. وفي نهاية اليوم، نطق القاضي بالحكم المدوّي: "حكمت المحكمة علناً وحضورياً على المتهم ياسين بعشر سنوات سجناً نافذاً مع الأشغال، وعلى الساحرة بخمس عشرة سنة، وبقاء سارة تحت الرقابة الطبية القضائية في مستشفى الأمراض العقلية."
ضجت القاعة بالتصفيق، وتنفست لينا الصعداء وهي تحمد الله الذي لا يضيع عنده حق المظلومين.
وفي الوقت الذي كان فيه ياسين يجر أذيال الخيبة نحو زنزانته المظلمة، كانت "سارة" تعيش جحيماً من نوع آخر داخل أسوار مستشفى الأمراض العقلية بـ "البليدة". لم يكن جنونها مصطنعاً للهروب من العدالة، بل كان "انعكاساً جحيمياً" لارتداد السحر الأسود عليها. فالقانون الروحي يقول إن السحر إذا أُبطل، رجع خادمه بكامل شره وحقده على من طلبه وعقد خيوطه.
كانت سارة تجلس في غرفة بيضاء معزولة، ترتدي قميص المجانين الأبيض الطويل، وقد تساقط شعرها الذي كانت تتفاخر به، وغارت عيناها كأنها جمرتان خامدتان. لم تكن تنام الليل؛ فكلما أغمضت جفنيها، كانت تصرخ وتستغيث وتخبط رأسها بالجدار الخرساني، زاعمة أن هناك أفاعي سوداء تخرج من تحت سريرها تلتف حول رقبتها لتخنقها، وأنها تسمع صوت العُقد وهي تُدق في عظامها.
الطبيب النفسي (يشوف فيها من وراء الزجاج ويتكلم مع الممرض): "الحالة تاع سارة هادي تجاوزت العلوم الطبية والنفسية المعروفة.. التحاليل تاع الدماغ سليمة، بصح المريضة تعيش في هلاوس بصرية وسمعية رهيبة ومرعبة على مدار الساعة.. راهي تخلص في ذنب كبير داراته بيديها."
سارة (تصرخ وهي تشير للزاوية المظلمة بصوت مبحوح ومخيف): "نحوها عليا! نحوها عليا هاديك العجوزة زوهرة! راهي تقولي قتلتِ آدم.. الخيوط راهي تتقطع في كرشي.. لينا سمحيلي! لينا أهدر مع ربي ينحي عليا هاد النار! آدم راني نموت.. راني نموت بالسم اللي شربتهولك!"
كان هذا هو العقاب الرباني العادل؛ فالتي أرادت أن تسجن آدم في جسده وتجعل لينا تعيش في عذاب الفراق والسمعة الموسخة، سُجنت هي في عقلها المظلم، وأصبحت عبرة لكل من يفكر في اللجوء إلى قوى الظلام لتدمير حياة الأبرياء.
مرت سنتان كاملتان على تلك الأحداث الرهيبة. استعاد آدم صحته بالكامل وعاد إلى عمله في شركة المقاولات، وبفضل إخلاصه وأمانته وترفعه عن الحرام، تمت ترقيته ليصبح الشريك الأساسي في الشركة. أما لينا، فقد تخرجت من الجامعة بتفوق باهر ونالت شهادتها وسط فرحة عائلتها، وافتتحت مكتبة صغيرة خاصة بها في الحومة لتعليم الأطفال وتحفيظ القرآن، لتنشر النور في نفس المكان الذي حاول ياسين وسارة نشر الظلام فيه.
وفي أحد أيام الخريف الهادئة، وبينما كانت لينا ترتب الكتب، شعرت بدوار مفاجئ وثقل لم تعهده من قبل. أخذها آدم إلى الطبيبة، وبعد الفحوصات، خرجت الطبيبة بابتسامة تملأ وجهها وبشرتهما بالخبر السعيد: "مبروك عليكم.. لينا راهي حامل في شهرها الثاني".
آدم (يطير بالفرحة ويحضن يد لينا ويبوسها والدموع في عينيه): "الحمد لله يا ربي! الحمد لله اللي عوضنا على كل يوم حزن وعذاب عشنا فيه.. هاد الطفل راح يكون النور الجديد تاع دارنا والحصن اللي يثبت فرحتنا."
لينا (تبتسم ودموعها يسيلوا براحة): "آدم.. هاد الطفل جا بفضل ربي ويقيننا. ربي كبير وما ينسا حتى واحد.. من درك راني حابة إذا كان طفل نسموه 'يقين'، باه كل ما نعيطوا له نتفكروا النور اللي سلكنا من الظلام."
خالتي زليخة (تدخل للدار وتزغرد ملي سمعت الخبر وتصنع الطمينة): "يا فرحتي ويا سعدي! راح يولي عندي حفيد من ريحة السبع آدم ومن يد الغالية لينا.. والله يا بنتي غير نرفده على راسي وعينيا طول حياتي."
لم تكن أشهر الحمل سهلة على لينا؛ فبقايا الصدمة النفسية القديمة والخوف من تجدد الشر كانت تراودها تارة على شكل كوابيس عابرة، لكنها كانت تواجه كل ذلك بالاستغفار وقراءة سورة البقرة يومياً في بيتها. كان آدم يحيطها برعاية فائقة، لا يتركها تفعل شيئاً يتعبها، ويحرص على مرافقتها في كل خطوة.
وجاءت ليلة المخاض في فصل الشتاء البارد، والثلج يغطي قمم جبال جرجرة البعيدة التي شهدت يوماً على فك العُقد. نُقلت لينا للمستشفى، واستمرت آلام الولادة لساعات طويلة، وكان آدم واقفاً وراء الباب يقرأ القرآن ويدعو بحرق، وخالتي زليخة وعمي محمود يسبحون ويستغفرون.
وفجأة، مع بزوع أول خيط من خيوط الفجر الصادق، دوت في أرجاء المستشفى صرخة طفل صغير، صرخة قوية حية أعلنت قدوم الروح الجديدة. خرجت الممرضة وتحمل في يدها طفلاً أبيض كالقمر، يملك عيني والدته الواسعتين وشهامة أبيه.
الممرضة (تبتسم وتمد الطفل لآدم): "مبروك عليك يا سي آدم.. سلكت مدام لينا على خير والحمد لله، وجبتوا طفل كي الهلال، ما شاء الله تبارك الرحمن."
آدم (يحمل ولده ودموعه تسيل على خدوده، ويؤذن في أذنه اليمنى ويقيم الصلاة في اليسرى): "الله أكبر.. الله أكبر.. سميتك 'يقين' يا وليدي.. ربي يجعلك من الصالحين ومن أهل القرآن.. ارفع راسك يا وليدي أنت ولد الحق."
عمي محمود (يبوس جبين ابنه لينا وهي في السرير ومبتسمة): "الحمد لله على سلامتك يا بنتي.. اليوم كملت الفرحة وربي ثبت ساس هاد العائلة بالخير والبركة."
أُقيمت "العقيقة" لـ "يقين" في الحومة، وكانت فرحة لم تشهدها الزقاق من قبل. تصدق آدم باللحم والمال على الفقراء والمساكين، واجتمعت العائلتان في صالون البيت الكبير الذي بات يفوح برائحة الفرح والاستقرار الحقيقي.
وفي المساء، بعد أن نام الصغير يقين في سريره الخشبي الصغير، خرجت لينا رفقة آدم إلى الشرفة المطلة على الحومة الساكنة. كان الطقس دافئاً، والنجوم تلمع بكثافة كأنها تبارك لهما هذا النصر الأبدي. وضع آدم برنوسه الوبري على كتفي زوجته، وضمها إليه برفق وهو يتأمل الأفق المشرق.
لينا (تتنهد وتشوف في خاتمها وفي يد آدم): "آدم.. شفت هاد الطريق شحال كانت واعرة وطويلة؟ شفت كيفاش بدايتها كانت غدر وسحر وظلمة، ونهايتها درك راهي جنين وطفل مسمي على اليقين والعدالة؟ سبحان الله، العبد يتدبر والرب يسهل ويفك كاع العُقد الميتة."
آدم (يشد يدها بقوة ويشوف في عينيها بكل حب ونضج): "عندك الحق يا سلطانتي ويا زهرة حياتي.. هاد الحكاية كانت امتحان كبير لينا وللحومة قاع. تعلمنا باللي الدنيا هادي فيها الشر وفيها الأفاعي كيما ياسين وسارة، بصح فيها ربي سبحانه اللي ما ينامش وما يظلمش.. وترياق هاد الشر هو الصدق، والوضوح، والحب الحقيقي اللي يتبنى على طاعة ربي والنية الصافية.. ملي تكون النية صافية واليقين واجد، كاع سحر العالم يتفتت ويولي تراب تحت رجلينا."
مرت خمس سنوات كاملة كأنها لمح البصر، تحولت فيها الحومة العتيقة من وكر للإشاعات والخوف إلى فضاء يفوح بالسكينة والعمل. كبر الصغير "يقين" وأصبح طفلاً يمشي بخطوات واثقة في أزقة الحومة، يملك ملامح أبيه الشهمة وعيني أمه النرجسيتين بنور الذكاء واليقين. كان يقين ليس كبقية الأطفال؛ فمنذ نعومة أظافره، كان يجلس في زاوية مكتبة والدته لينا، يراقب الكتب ويستمع لآيات القرآن، حتى صار يحفظ أجزاءً كثيرة بصوته الطفولي الندي الذي كان يبعث الراحة في قلب كل من يسمعه.
أما مكتبة لينا، فقد توسعت بفضل دعم آدم وإصرارها، وتحولت من مجرد دكان صغير لبيع الكتب إلى "مركز نور اليقين الثقافي". صار المكان مقصداً لشباب وبنات الحومة والجامعة؛ تُقام فيه ندوات فكرية، وحصص لتحفيظ القرآن، ومحاضرات للتوعية ضد مخاطر الجهل والشعوذة والآفات الاجتماعية. أصبحت لينا بمثابة "الأم الروحية" لجيل كامل من الفتيات اللواتي يمشين على خطاها في العفة والنجاح.
يقين (شيد يد يماه لينا وهو داخل للمركز الثقافي ويشوف في الأولاد): "ماما.. اليوم أنا اللي راح نقرا لصنابو سورة الرحمن بصوتي؟ راني حفظتها قاع وما غلطت في حتى آية والبابا آدم سمع لي البارح وعجبته بزاف."
لينا (تبوسه في راسه وتمسح على شعره بحنان): "ما شاء الله على وليدي العزيز.. إيه اليوم أنت الشيخ الصغير تاعنا. اقراها بصوتك الحنين باه ربي يبارك لنا في هاد النهار والناس تسمع كلام ربي وتتهدى."
خالتي فاطمة الجارة (تدخل وتشوف في يقين وتدمع): "يا عمري على هاد الشجرة الطاهرة واش جابت ثمار! شوفي يا لينا يا بنتي، الحومة هادي كيفاش كانت مقلوبة بالشر والوسواس، ودرك بفضل ربي وبفضلك ولات قاع الناس تحوس تقري أولادها وتثقفهم.. ربي يعمر دارك كثر وكثر."
وفي جهة أخرى مظلمة، وتحديداً في سجن "الحراش" وراء الأسوار الخرسانية العالية، كان "ياسين" يعيش خريف عمره المبكر. انقضت نصف عقوبته، لكن السنوات الخمس في السجن فعلت به ما لم تفعله الأيام؛ زال عنه كبرياؤه النرجسي تماماً، ونحل جسده وتغيرت ملامحه بعد أن تبرأ منه أصدقاء السوء الذين كانوا يصفقون له في الماضي. والده "عمي السعيد" كان يزوره بانتظام، لكنه كان يرفض إعطاءه أي أموال إضافية، مصراً على أن يذوق ابنه وبال أفعاله لعل نفسه الأمارة بالسوء تطهر.
في أحد أيام الجمعة، تلقت لينا وآدم رسالة بريدية تحمل ختماً رسمياً من إدارة السجن. جلس آدم في صالون بيته، وفتح الرسالة بحضور لينا ووالدته زليخة، ليتفاجأوا بأنها مكتوبة بخط يد ياسين نفسه.. خط مرتجف يحمل انكساراً حقيقياً وندماً متأخراً.
[نص الرسالة بالحوار بالدارجة واللغة المؤثرة]:
"إلى آدم.. وإلى لينا..
مانيش عارف إذا راح تقراو هاد السطور ولا ترموها في الزبل، وعندكم الحق في كلش. أنا ياسين اللي كنت نحسب روحي ملك الدنيا بالدراهم والطوموبيلات وعمى قلبي الغرور والنرجسية حتى وصلت ودرت السحر باه نقتل صاحبي ونوسخ شرف طفلة طاهرة خاطيها. درك راني في السيرفيس والزنزانة، خمس سنين جازوا عليا كي خمسين سنة.. شفت الموت وعرفت باللي الدنيا هادي والو، والمال ما يسلكش العبد ملي تطيح عليه غضبة ربي. سارة راهي ضاعت وأنا راني ضايع هنا.. جيتكم بهاد الرسالة برك نطلب منكم 'السماح'.. حاب نموت وأنا خفيف وما عنديش ذنبكم في رقبتي. ماني حاب منكم والو، لا تعويض ولا عاونوني.. حاب برك هاديك الكلمة تاع 'مسامح' باه نرقد الليل."
خالتي زليخة (تنهد وتمسح دموعها بسبحتها): "سبحان الله مقلب القلوب.. ياسين اللي كان يفرعن في الحومة ويحسب الناس قاع عبيد عنده، درك راهو يطلب في السماح من وراء القفص.. ربي يهديه ويغفر له."
آدم (يشوف في لينا ويسألها بنظرة حكيمة): "واش رايك يا لينا؟ الرسالة هادي ليك أنتِ بالذات لأنك أنتِ اللي قستِ الوجع الأكبر والظلم في شرفك.. الكلمة ليك."
لينا (تأخذ نفس عميق وتشوف في وليدها يقين وهو يلعب): "يا آدم.. إحنا نهار اللي دخلنا لجبال جرجرة وفكينا السحر، عاهدت ربي باللي نخرج الحقد والغل من قلبي باه نعيش متهنية. ربي رجع لنا حقنا والعدالة دارت خدمتها وياسين راهو يخلص.. أنا من جيهتي، مسامحاته لوجه ربي الكريم، ربي يغفر له ويتوب عليه في هاديك الظلمة."
لم تكتفِ لينا بالمسامحة الشفهية، بل طلب آدم من المحامي مراد أن يرسل وثيقة رسمية لإدارة السجن تفيد بتنازل آدم ولينا عن أي حقوق مدنية أو تعويضات مالية شخصية مترتبة على القضية، كخطوة إنسانية تؤكد ترفعهما عن الانتقام. هذا الموقف النبيل هز كيان والد ياسين "عمي السعيد"، الذي قرر أن يقوم بمبادرة كبيرة كنوع من الشكر والتقدير لعزة نفس هذه العائلة.
زار عمي السعيد مركز "نور اليقين الثقافي" في يوم تكريم الأطفال حفظة القرآن، وكان يقين واقفاً على المنصة يتسلم جائزته. تقدم الرجل العجوز والدموع في عينيه، وطلب الكلمة أمام جميع سكان الحومة الذين حضروا الحفل.
عمي السعيد (يتكلم في الميكروفون وصوته يرجف بالاحترام): "يا سكان الحومة.. ويا عمي محمود وآدم وبنتي لينا. اليوم جيت نعلن قدامكم قاع باللي هاد المركز الثقافي اللي راهو ينور في أولادنا، ميزانيته وتوسيعه من اليوم للفوق راح تكون على عاتق شركتي الخاصة كصدقة جارية.. وأنا باسم عائلتي، نعلن باللي هاد الطفل الصغير 'يقين' هو البركة تاع هاد المكان، وربي يعلم شحال راني فخور بيه وبوالديه اللي ورّاونا واش معناها الرجولة والأنفة والمسامحة الحقيقية."
آدم (يطلع للمنصة ويحضن عمي السعيد): "بارك الله فيك يا عمي السعيد.. ربي يخلف عليك بالخير، وإحنا يد وحدة باه نبنوا هاد الجيل ونقضوا على الظلمة بالمنفعة والصلاح."
مرت عشر سنوات كاملة على مأدبة اليقين، دارت فيها عجلة الزمن لتغير ملامح الحومة وأهلها. انقضت أيام الطفولة البريئة، وأصبح "يقين" شاباً يافعاً في السادسة عشرة من عمره، يدرس في ثانوية الحومة العتيقة. كان يقين يحمل في ملامحه مزيجاً مهيباً؛ طول قامة أبيه آدم وسمرته الرجولية، وعيني أمه لينا الواسعتين اللتين تشعان بالذكاء والنقاء. لكن الحياة لم تكن وردية تماماً بالنسبة لشاب يحمل اسماً ارتبط بأكبر ملحمة شهدتها المنطقة ضد السحر والغدر.
في أروقة الثانوية، كان يقين يعيش تحت مجهر العيون. كان معظم زملائه يحترمونه ويقصدونه لمساعدتهم في الدروس بمركز والدته الثقافي، لكن "بقايا الحقد القديم" لم تمت تماماً في قلوب بعض أبناء الحومة الذين ورثوا غيرة آبائهم من نجاح عائلة آدم. كان هناك شاب يدعى "أمين"، وهو ابن أحد أصدقاء ياسين القدامى الذين ضاعوا في دروب الانحراف، وكان أمين يحاول دائماً استفزاز يقين وتذكيره بالماضي المظلم لعائلته ليخفض من رأسه المرفوعة دائماً.
أمين (يقف في ساحة الثانوية محاطاً بشلته، ويشوف في يقين بسخرية): "أوه.. جا السي يقين، ابن الأبطال! اسمعنا يا يقين، يماك لينا ما زالها تبيع الكتب ولا راهي تداوي الناس من السحر؟ قاع في الحومة يعرفوا باللي باباك آدم سلك بالموت ملي كان مرمي في السبيطار كي الخشبة.. واش راك تحس روحك وأنت عايش بحكاية قاع الزنقة تضحك عليها؟"
يقين (يتوقف، يزير على حزام محفظته، ويشوف في أمين بعينين باردتين وثبات ورثه عن أمه): "اسمعني مليح يا أمين.. بابا آدم طاح مريض بالصح، وبابا وماما واجهوا الشر بوجوههم مرفوعة والعدالة جابت لهم حقهم في وسط المحكمة وقاموا بالحلال. والناس اللي داروا العيب راهم خلصوا في السجن وفي السبيطار تاع المهابل. إحنا راسنا مرفوع بالحق والعلم، وأنت إذا راك حاب تعايرني بحكاية بطل فيها ربي السحر، روح شوف روحك وين راك واصل.. القراية هربت عليك والزنقة راهي تاكل فيك.. ربي يهديك وخطيني."
أحد أصدقاء يقين (يتقدم ويدز أمين): "ابعد عليه يا أمين! يقين خاطيك وما تزيدش تجبد والديه الصالحين على لسانك الموسخ، وإلا نلموا عليك الثانوية قاع درك!"
انسحب يقين بهدوء، ورغم ثباته الظاهري، إلا أن تلك الكلمات كانت تترك في قلبه الصغير أثراً وغصة. عاد إلى البيت مساءً، ودخل إلى صالون والده، حيث كان آدم يجلس يراجع بعض مخططات البناء لشركته التي أصبحت الأكبر في المنطقة. لاحظ آدم على الفور ذلك الظل الخفيف من الحزن في عيني ابنه الوحيد.
جلس آدم بجانب ابنه يقين، ووضع يده القوية على كتفه، تلك اليد التي طالما حمت العائلة من العواصف. وفي تلك الأثناء، دخلت لينا تحمل صينية الشاي بنكهة النعناع الفواح، لتجلس معهما وتشكل ذلك الحصن المنيع الذي لا يمكن اختراقه.
آدم (يشوف في يقين بحنان ونبرة رجولية دافئة): "واش بيه السبع تاعي اليوم؟ شفتك دخلت وراسك هابط شوية ومهموم.. كاين حاجة صرات في الثانوية؟ قولي يا وليدي، إحنا أصحاب قبل ما نكونوا أب وابن."
يقين (يتنهد ويشرب شوية شاي): "بابا.. اليوم أمين جبد لي الحكاية القديمة تاع ياسين وسارة والسحر.. قال لي باللي الحومة قاع تضحك على النهار اللي كنت فيه مرمي في السبيطار. أنا جاوبته بالحق وما خليتهوش يلحق مراده، بصح وجعني قلبي.. علاش الناس ما تنساش الشر وتبقى دائماً تحوس تحفر في الماضي؟"
لينا (تدمع عينيها وتقرب منه، تحضن يده): "يا وليدي يا يقين.. الناس ملي خلق ربي الدنيا فيهم الصالح وفيهم الطالح. الشر كي يفشل يحاول دائماً يوسخ الحق بالهدرة والفتنة. اسمعني مليح، جدك عمي محمود الله يرحمه (توفى قبل عامين بوقار كبير)، نهار اللي كان في فراش الموت، خلّالي كراسة قديمة مكتوبة بخط يده، وقال لي هادي مديها ليقين نهار اللي يشوف الظلمة تبدأ تدور بيه.. درك نجبدهالك وتقراها بنفسك."
قامت لينا وأحضرت كراسة قديمة مغلفة بالجلد البني، تفوح منها رائحة الورق القديم والمسك. فتحها يقين بيده المرتجفة ليقرأ السطور التي خطها جده "عمي محمود"؛ ذلك الرجل الصالح الذي كان نخلة الحومة وعماد شرفها. كانت الكلمات مكتوبة بلغة قوية تجمع بين الفصحى والدارجة الأصيلة:
"إلى حفيدي الغالي يقين..
إذا كنت تقرأ هذه السطور، فاعلم أن جدك قد صار تحت التراب، لكن الحق الذي عشت من أجله لا يموت. يا وليدي، والدك آدم وأمك لينا لم يعيشا حياة عادية، لقد مروا في وسط النار وخرجوا منها طاهرين لأنهم آمنوا بـ 'اليقين'. لا تخجل يوماً من ماضي عائلتك؛ فالمرض ليس عيباً، والوقوع في شباك الغدر ليس مَذلة، المذلة الحقيقية هي أن تكون مثل ياسين وسارة.. تملك المال والجمال ولكنك تملك روحاً نجسة تبيع دينها وشرفها من أجل الانتقام.
ارفع رأسك يا يقين، فاسمك هو الترياق الذي أبطل السحر، ودمك هو دم الشرف.. إذا عايرك أحد بالماضي، فابتسم وقُل له: 'الحمد لله الذي جعل عائلتي منبعاً للنور واليقين، ولم يجعلنا من عساكر الظلام'."
يقين (يمسح دموعه بيده ويغلق الكراسة بعزم وقوة جديدة): "الله يرحمك يا جدي عمي محمود.. كلامك قاع دوا وشفا لي قلبي. درك راني فهمت.. أنا
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
الكتب الإلكترونية هي مكملة وداعمة للكتب الورقية ولا تلغيه أبداً بضغطة زر يصل الكتاب الإلكتروني لأي شخص بأي مكان بالعالم.
قد يضعف نظرك بسبب توهج الشاشة، أدعم ناشر الكتاب بشراءك لكتابه الورقي الأصلي إذا تمكنت من الوصول له والحصول عليه فلا تتردد بشراءه.
أنشر كتابك الآن مجانا
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل
الملكية الفكرية محفوظة للمؤلفين المذكورين على الكتب والمكتبة غير مسئولة عن افكار المؤلفين
يتم نشر الكتب القديمة والمنسية التي أصبحت في الماضي للحفاظ على التراث العربي والإسلامي
، والكتب التي يتم قبول نشرها من قبل مؤلفيها.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنِّي من صنعه".